تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
بالديار المصرية ، فتوجه إليها كارها في سادس عشر صفر سنة ثماني عشرة وسبعماية ، وأقام بها إلى أن سأل أن يفسح له في التوجه إلى الحجاز الشريف ، فأذن له في / ( 52 ) ذلك ، فحج ولم يعد إليها ، واستعفى من المباشرة ، فرسم له بالإقامة بالقدس الشريف ، فأقام هناك ، ورتّب له على سبيل الراتب في كل شهر ثمانمائة درهم وثمانية غراير [ 1 ] ، فلم يزل بالقدس الشريف إلى أن قبض على كريم الدين كما تقدم ، فرسم السلطان بطلبه إلى الأبواب العلية ، وكتب بذلك إلى نائب السلطنة الشريفة بالشام على يد الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى ، فتوجه إلى دمشق ، وأرسل إليه البريد منها ، فحضر إلى الأبواب السلطانية . وكان وصوله في بكرة نهار الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبعماية ، فمثل بين يدي المقام الشريف ، فأقبل عليه غاية الإقبال ، والبسه تشريفا ، ونزل إلى داره ، فلم يستقر به الجلوس حتى طلبه ثانيا ، ففوض إليه الوزارة ، وأنعم عليه بالدواة والبغلة ، وأقام بالقلعة إلى عشية النهار ينفّذ الأشغال ، ثم ركب منها إلى داره واجتمع الناس ببابه ، وامتلأت الأزقة والشوارع والرحبة التي أمام الدار على سعتها ، وازدحموا حتى كاد يعجز عن الوصول إلى باب داره والدخول إليها إلا بجهد كبير . وأصبح في يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر ، وركب في موكب الوزارة ، وجلس بدار العدل الشريف مع السلطان إلى أن انقضى المجلس ، وقام إلى قاعة الوزارة ، وفتح له الشبّاك بها ، وكان قد أغلق بعد عزله عن الوزارة ، فلم يفتح إلا في هذا اليوم ، فجلس فيه ، وأظهر الإحسان إلى الناس ، ونشر فيهم العدل ، ووعدهم عن نفسه وعن السلطان بكل جميل ، فسر الناس بمقدمه ، وازدحموا عليه حتى منعوه من تنفيذ أشغال الدولة ، فكانت قلعة الجبل تغص بالناس من أرباب / ( 53 ) الأشغال والوظايف والبطَّالين والمتفرّجين ، إلى أن رسم بمنع كثير من العوام من طلوع القلعة ، وأقام على ذلك أياما حتى خف الناس ، ولما ركب إلى مصر في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر تلقاه الناس بالفرح والسرور والدعاء له ، وازدحموا عليه فيما بين مصر والقاهرة ، حتى امتلأت بهم الطرق .
هامش
[ 1 ] الغرائر : جمع الغرارة ، وهى وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه ، وهى أكبر من الجوالق .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 59 | النويري