تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وعمل نوابه مع بعض من اعتنوا به من التجار عكس هذا ، فكان بعض التجار يبيع السلعة الكاسدة على بعض المضرورين من التجار وغيرهم إلى الأجل الطويل ، فيرغبون في ابتياعها لطول المدة ، ويرجون بذلك أن يتسببوا فيها لصلاح أحوالهم ، ويشترونها بمثلى القيمة ، فإذا استقر البيع ، وتسلم المشترى السلعة ، وأشهد على نفسه بالثمن أحال التاجر البائع إلى ديوان كريم الدين بالثمن ، فيطلب المشترى ، ويرسم عليه ، ويستخرج الثمن بالضرب والاعتقال ، ولا يحملون فيه على حكم الشرع ، ولا يستنكف نوابه من ذلك ولا يتحاشون ، فتضرر الناس من هذا الوجه أيضا ، حتى كان منهم من يبيع السلعة بعينها بنصف ما ابتاعها به من الثمن ، ويعطيه ، ويكلف ما بقي ، فيستدينه ويعطيه . وأما غير ذلك من حال كريم الدين فإنه كان قد تعاظم في نفسه ، فيخلع الخلع السنية أشرف من خلع السلطان ، فكان السلطان إذا خلع على أحد ملونا خلع كريم الدين مصمتا ، وإن خلع مصمتا خلع هو طردوحش ، وإن خلع طردوحش خلع طردوحش مقصّبا ، وإن خلع السلطان مقصّبا خلع الأطلس المعدنى بالطرز الزركشي ، وأنعم بالحوايص الذهب والكلَّوتات الزركشي وغير ذلك ، وإذا خلع على من يخلع السلطان عليه الأطلس / ( 49 ) بطرز الزركش خلع عليه المزركش المكلَّل باللَّؤلؤ والمرصّع بالجوهر ، وأنعم عليه بالخيول المسوّمة ، وبغالى الأقمشة وغير ذلك ، وإذا أنعم السلطان بمال أنعم بأضعافه ، فكان ذلك مما حقده السلطان عليه ، وذكره من عيوبه ، وتعاطيه ما لا يصلح . وكان مما فعله أنه جعل لنفسه بيوتات نحو بيوت السلطان من شرابخاناه ، وطست خاناه ، وفراش خاناه وغير ذلك ، وفى كل بيت منها من الآلات المناسبة له ما لا يكون مثله إلا عند أكابر الملوك ، ثم أخذ لنفسه أخيرا بما يفعله الملوك ، فكان يمدّ سماطه وأمامه أستاذ الدار ، ومقدم المماليك ، والجاشنكير ، والمشرف ، ويأكل من ذلك الطعام من حضر من الأكابر وغيرهم ، وهو بارز عنه لا يأكل منه شيئا ، فإذا رفع ذلك السماط استدعى الطاري بعد ذلك فيأكل منه ، وكان في ليالي شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعماية يمد بين يديه
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 56 | النويري