تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
ولقد مرض قبل أن يأمر السلطان بالقبض عليه بأيام ، فأظهر السلطان عليه من القلق والألم ما لا مزيد عليه ، وكان يرسل إليه في كل يوم جماعة من مماليكه الأمراء الخاصّكية يسألون عنه ، ويعودون إلى السلطان بخبره ، ثم يرسل آخرين بعدهم ، هذا دأبه في طول نهاره ، وأرسل إليه جملة من المال يتصدق بها في مرضه . ولما عوفي زينت له القاهرة أحسن زينة ، كما تزين للفتوحات الجليلة ، ولعود السلطان من الغزوات المنصورة عند هزيمة أعدائه ، وبات الناس بالأسواق ، ونصب في بعض الجهات أبراج من الخشب ، ولبست الأطلس ، والذهب وغيره ، وكانت الملاهي في عدة مواضع من القاهرة بالأسواق أياما ، وبظاهر القبة المنصورية ، وفعل مثل ذلك / ( 46 في مرضه عند عافيته في غير هذه المرة ، وإنما كانت أكثرها احتفالا المرة الأخيرة . ولما عوفي من المرضة الأخيرة أمر أن يتصدّق بقمصان بالبيمارستان من وقفه ، فاجتمع الفقراء لذلك ، وازدحموا قبل وصوله إلى البيمارستان ، فمات منهم من شدة الازدحام ثلاثة عشر إنسانا من الرجال والنساء ، وتأخر عن الحضور في ذلك اليوم . هذه حاله في أمر الدولة والتمكَّن منها ، والقرب من السلطان ، ونفوذ الكلمة . وأما حاله في نفسه وأمواله ومتاجره ، فإنه اتسعت أمواله ونمت ، وكثرت أملاكه ، وتضاعفت متاجره ، إلى أن منع التجار أن يتّجروا في صنف من الأصناف إلا أن يبتاعوه من حواصله بما يختاره من الثمن ، واحتكر الأصناف قليلها وكثيرها حتى حبال القنب للورّاقات وقصب الغاب ، وقش الحصر ، وما بين ذلك إلى المسك والعنبر والعود ، وماء الورد ، وساير الأصناف ، لا يستثنى منها شيئا ؛ وكان في كل مدة ينادى بجمع التجار إلى داره واصطبله لحضور حلقة البيع ، فتغلق الأسواق ، ويحضر الناس على اختلاف طبقاتهم ، فيخرج الأصناف من الأقمشة وغيرها ، فيبيعها عليهم بما يختاره هو أو أتباعه ، لا يقدر أحد منهم على الامتناع .