تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
السلطان ، ويشكره ، ويذكر محاسنه ، واحتفاله بالمصالح ، وحسن مباشرته ، فتمكن بذلك عند السلطان ، وظهر اسمه وعلت رتبته ، فعلم أنه لا يستقيم له ما يرومه ، ويحصل تمكنه على ما في نفسه مع بقاء الوزير ، فتلطف إلى أن كان من عزل الصاحب أمين الدين ما ذكرناه ، وحسّن للسلطان اختصار الوزارة ، وأنّ السلطان يشاور في جميع الأمور ، ويتصرف فيها عن أمره ، ويطَّلع على أحوال دولته ، ما قرب منها وما بعد ، فوقع ذلك من السلطان بموقع ، ووافق عليه ، واختصرت الوزارة ، وأضاف السلطان إلى كريم الدين ما كان بيد الصاحب أمين الدين من نظر البيمارستان المنصوري والقبة والمدرسة ، ومكتب السّبيل ، وأوقاف ذلك ، فعندها استقل كريم الدين بالأمر ، وأظهر القوة برفق ، ولم يزل أمره يأخذ في الازدياد والظهور والتقدم وعلو الشأن ، وهو مع ذلك يراجع الأمير سيف الدين طغاى ؛ ويتردد إليه ، ولا يخالف أمره ، ثم مال إلى غيره من الأمراء المماليك السلطانية ، ورأى في نفسه أنه قد كبر على مراجعة طغاى أو غيره ، فظهر ذلك لطغاى ، فتنكر له ، وغضب لميل كريم الدين إلى غيره ، فأعمل كريم الدين الحيلة والتلطف إلى أن كان من إخراج طغاى إلى نيابة صفد والقبض عليه ما قدّمنا ذكره ، فلم يبق له عند ذلك منازع ولا مشارك في الكلمة ، ومال السلطان إليه ميلا عظيما ، وقرب منه قربا ما قربه منه أحد ، ولا سمع بمثله ، حتى ولا ما بلغنا عن الرشيد والبرامكة ما لو شرحناه لطال ، وزاده السلطان في التشاريف ، فكان يخلع عليه أولا « كنجى » ( 44 ) مطلق ثم خلع عليه « كنجى » منقوشا ثم رفعه عن هذه الرتبة فخلع عليه أطلسا معدنيا أبيض ، وتحتانية أطلس أخضر بطرززركش على الفرجتين ، ولم يخلع مثل ذلك على متعمّم قبله ، ولا على نائب سلطنة ، وبلغنى أنه رسم له أن يلبس في خلعته الشاش المثمر الذي لا يخلع إلا على صاحب حماة ، وهو شاش سكندرى مقفّص بحواش زرق بقبضات ذهب مصرى ، فاستعفى من ذلك . ثم فوّض السلطان إليه بعد ذلك جميع ما بيده من التصرّف في الأموال والولايات ، والبيع والابتياع والنكاح والعتق وغير ذلك ، أقامه في جميع ذلك مقام نفسه ، وقال السلطان في مجلس عام : « فوّضت إليه ما هو مفوّض إلىّ » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 52 | النويري