تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
والقضاة والمترفين - في حجورهم ] وبقيت بغداد جزيرة في وسط الماء ، واستدار الماء عليها ، ودخل الماء الخندق وكان له هدير عظيم ، وغرق ما حول البلد ، وخربت أماكن كثيرة منها البازار [ 1 ] ، وسائر الترب والبساتين والسواد [ 2 ] والجانبين المتقابلين لسوق الخيل والدكاكين والساباط [ 3 ] ، وخرب بستان الصاحب جميعه ، والمصلى ، وبعض الكمش ، وسائر البساتين التي حوله ، ووصل الماء إلى الثلاث نخلات ، ووقعت قبة الجعفرية [ 4 ] ، وخربت مدرسة عبيد الله ، وغرقت خزانة الكتب التي بها ، وكانت فيما قيل تساوى عشرة آلاف دينار ، وسطَّح الماء وعلا بمقدار عشر قامات ، وكان الإنسان إذا وقف لم ير ما امتد بصره إلا ماء وسماء ، وفتح في الرّقّة [ 5 ] وخرّب إلى الحارثية ، وما ترك طرفه قائمة ، وغرق خلق كثير من المزارعين الذين كانوا عند زروعهم ممن لم يحسن السباحة ، وغرقت بساتين الرّقّة مثل بستان القاضي ، وبستان ابن العفيف ، والخاتونى ، وبستان جمال الدين الدكروالى ، وغرقت بساتين الحارثية ، مثل : بستان الخادم ، وابن الأمليس ، وسديد الدولة ، وبقى الناس في خلقة ضيّقة ، وامتنعوا من النوم ليلا والمعايش نهارا من شدة الزّعقات [ 6 ] ، وخوف الغرق ، وغلق البلد ستة أيام ، والناس ينظرون إلى الخندق والشط هل زاد أو نقص ، وتحول كثير من الناس إلى المحال العالية مثل تل الزينية ، وتل اللوازه بالمستضيئيّة ، وأسكرت سائر أبواب المحال العالية ببغداد ، وأبواب الخانات بها ، وسد باب خان السلسلة ، وبقى إذا انفتح من الخندق فتح تداركه الناس بالسد ، والناس يدورون في الأسواق مكشوفى الرؤس ، والرقعات الشريفة على رؤسهم ، وهم يضجّون بالبكاء ويخرّون إلى الله تعالى ، ويسألونه كشف هذه الحادثة عنهم ، وودّع بعض الناس بعضا ، ولو انخرق إليهم من الخندق أدنى شئ لغرقوا ، وزاد الماء في الخندق حتى ركب القنطرة الجديدة بسوق الخيل ،
هامش
[ 1 ] البازار : السوق ( فارسية معربة ) . [ 2 ] السواد : جماعة الشجر والنخل والنبات ، لأن الخضرة تقارب السواد ، ويقال : خرجوا إلى سواد المدينة أي إلى ما حولها من القرى والريف ، ومنه سواد العراق ( المعجم الوسيط ) . [ 3 ] الساباط : سقيفة بين حائطين أو دارين ، يمر من تحتها طريق نافذ ( لسان العرب ) . [ 4 ] الضبط من ( المراصد 2 / 626 ) والرقة المقصودة هنا هي البستان المقابل لدار الخلافة ببغداد . [ 5 ] الجعفرية : محلة كبيرة مشهورة في الجانب الشرقي من بغداد ( المراصد 2 / 336 ) . [ 6 ] جمع الزعقة ، وهى المرة من الصياح ، يقال زعق - كفتح - إذا صاح صيحة فزع ( المعجم الوسيط ) .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 195 | النويري