تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلز فقبض قبل أن تكمل عمارته وبنى أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالأرفاد ، وبنى الربط . وقصده الناس من أقطار الأرض . وكانت صدقاته وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن ، وكان يشترى الأسرى في كل سنة بعشرة آلاف دينار ، هذا من الشام حسب ، سوى ما يشترى من الكرج . وقال ابن الأثير : أيضا حكى لي والدي عنه قال كثيرا ما كنت أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه في خبز بين يديه . فكنت أنا ومن يراه نظن أنه يحمله إلى أم ولده على . فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين ، وكنت أتولى ديوانها ، وحمل جاريته أم ولده إلى دارى لتدخل الحمام ، فبقيت في الدار أياما . فبينما أنا عنده في الخيام ، وقد أكل الطعام فعل كما كان يفعل . ثم تفرق الناس فقمت فقال : « اقعد » فقعدت . فلما خلا المكان قال لي : « قد آثرتك اليوم على نفسي ، فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله . خذ هذا الخبر واحمله أنت في كمك في هذا المنديل ، واترك الحماقة من رأسك ، وعد إلى بيتك ، فإذا رأيت في طريقك فقيرا يقع في نفسك أنه مستحق ، فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام » قال : ففعلت ذلك ، وكان معي جمع كثير ففرقتهم في الطريق لئلا يروني أفعل ذلك ، وبقيت في غلماني ، فرأيت في موضع إنسانا أعمى وعنده أولاد له وزوجته ، وهم من الفقر على حال شديد ، فنزلت عن دابتي إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه . وقلت للرجل تجيىء غدا بكرة إلى دار فلان ، أعنى دارى - ولم أعرفه نفسي - فإنني آخذ لك
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 177 | النويري