بخفىّ ما كتموا منه من العلم عندهم ؛ لتحقيق نبوّته ، والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه .
ثم قال تعالى : * ( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه اسْمُه الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) * أي هكذا كان أمره ، لا كما يقولون فيه . * ( وَجِيهاً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * « وجيها » أي شريفا ذا جاه وقدر « ومن المقرّبين » عند اللَّه * ( ويُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصَّالِحِينَ ) * يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها في عمره ؛ كنقلب بني آدم في أعمارهم صغارا وكبارا ، إلَّا أنّ اللَّه تعالى خصّه بالكلام في مهده آية لنبوّته وتنزيها لأمّه . وقوله : « وكهلا » قال مقاتل : إذا اجتمع « 1 » قبل أن يرفع إلى السماء . وقال الحسين بن الفضل : « كهلا » بعد نزوله من السماء . وقال ابن كيسان :
أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل . وقيل : يكلَّم الناس في المهد صبيّا وكهلا ؛ بشّرها بنبوته ، فلأمه في المهد معجزة وفى الكهولة دعوة . وقال مجاهد : « وكهلا » أي حليما « 2 » .
قال تعالى إخبارا عن مريم : * ( قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ الله يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * ثم أخبرها بما يريد به فقال تعالى : * ( ويُعَلِّمُه الْكِتابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإِنْجِيلَ ) * قوله « الكتاب » أي الكتابة والخطَّ . « والحكمة والتّوراة » التي كانت فيهم من عهد موسى قبله « والإنجيل » كتابا آخر أنزله اللَّه إليه ، لم يكن عندهم إلَّا ذكره أنه كائن . يقول تعالى : * ( ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) * أي يحقّق بها نبوّتى أنّى رسول منه إليكم . * ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيه فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله ) *
هامش
« 1 » اجتمع الرجل : استوت لحيته ، وبلغ غاية شبابه .
« 2 » على هذا يكون « كهلا » معطوفا على « وجيها » .