تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
ولا أيسر منّى حين تخلَّفت عنك ؛ فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أمّا هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضى اللَّه فيك » ، فقمت وثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني ، فقالوا لي : واللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلَّفون ، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فو اللَّه ما زالوا يؤنّبونى حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقى هذا معي أحدا ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ؛ فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمرى ، وهلال بن أمية الواقفىّ ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ؛ فمضيت حين ذكروهما لي . ونهى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا - أيّها الثلاثة - من بين من تخلَّف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى تنكَّرت في نفسي الأرض ، فما هي بالتي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، فلا يكلمني أحد ، وآتى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السلام علىّ أم لا ؟ ثم أصلَّى قريبا منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلىّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنى ، حتى إذا طال علىّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبى قتادة ، وهو ابن عمّى ، وأحبّ الناس إلىّ ، فسلَّمت عليه ، فو اللَّه ما ردّ علىّ السلام ، فقلت : يا أبا قتادة ، أنشدك اللَّه ، هل تعلمي أحبّ اللَّه ورسوله ؟
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 364 | النويري