تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : « ما فعل كعب » ؟ فقال رجل من بنى سلمة : يا رسول اللَّه ، حبسه برداه ونظره في عطفيه « 1 » . فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ! واللَّه يا رسول اللَّه ، ما علمت عليه إلَّا خيرا ، فسكت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همّى ، وطفقت أتذكَّر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا ، واستعنت على ذلك بكل ذي رأى من أهلي ، فلما قيل إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد أظلّ « 2 » قادما راح عنى الباطل ، وعرفت أنّى لم أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم يجلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللَّه ، فجئته ، فلما سلَّمت عليه تبسّم تبسّم المغضب ، ثم قال : « تعال » ، فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ، فقال لي : « ما خلَّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك » ؟ فقلت : بلى واللَّه ، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا « 3 » ، ولكنّى واللَّه لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّى ليوشكن اللَّه أن يسخطك علىّ ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد « 4 » علىّ فيه إني لأرجو فيه عقبى اللَّه ، لا واللَّه ما كان لي من عذر ، واللَّه ما كنت قطَّ أقوى
هامش
« 1 » كنى هنا عن إعجابه بنفسه وزهوه وتكبره . « 2 » أظل : قرب وأشرف . « 3 » أعطيت جدلا ، أي فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج من عهدة ما ينسب إلى يما يقبل ولا يردّ . « 4 » تجد : تغضب .