تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
الظلام رجع الجيش حتى وافى باب المدينة ، وأمر أصحابه أن يضعوا السيف في الناس فقتلوا خلقا كثيرا ، ثم أمر أن ينادى : هذا جزاء من أقدم على الملوك من رعاياهم وأصحاب منهم ، وأخرب الموضع الذي ضرب فيه الغلام ، فاستغاث به الناس ، فتقدّم إلى وزيره أن يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم ، ففعل وأمّنهم وقال : من عاد إلى مثل ما كان فقد حلّ لنا دمه ، فدعوا له وانصرفوا . ثم احتجب عن الناس واستخف بالكهنة والهياكل فأبغضته العامّة والخاصّة وبغوا الغوائل فاحتال عليه خاصّته بطبّاخه وساقيه فسمّاه وهو ابن مائة وعشرين سنة فمات . وصار الملك من بعده إلى ابنه صابن أنساد بن مرقونس ؛ قال : وأكثر القبط تزعم أن صابن مرقونس أخو أنساد . فملك وهنأه الناس ، فوعدهم بالعدل فيهم ، والإحسان إليهم ، وحسن النظر لهم ، وسكن منف وحكم الأحياز كلها ، وعمل بها عجائب وطلَّسمات ، وردّ الكهنة إلى مراتبهم ، ونفى الملهين وأهل الشرّ ممن كان يصحب أخاه ، ونصب العقاب الذي كان أبوه عمله ، وشرف هيكله ودعا إليه . وعمل في منف مرآة كان يرى منها ما يخصب من بلده وما يجدب . وبنى بداخل الواحات مدينة غرس حولها نخلا كثيرا . ونصب قرب البحر أعلاما كثيرة . وعمل خلف المقطَّم صنما يقال له صنم الحيلة ، فكان كل من تعذّر عليه أمر يأتيه فيبخّره فيتيسّر عليه ذلك الأمر « 1 » . وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجرى في حدودهم . وعمل على غربى النيل منائر يوقد عليها إذا قصدهم قاصد أو نابهم أمر . ويقال : إنه بنى أكثر منف وكل بنيان عظيم بالإسكندرية . قال : وكان لمّا ملك البلد بأسره جمع الحكماء إليه ونظر في النجوم - وكان بها حاذقا - فرأى أن بلده لا بدّ أن تغرق بالطوفان من نيلها ، ورأى أنها تخرب على
هامش
« 1 » وورد في المقريزي ( ج 1 ص 155 طبعة فييت ) بعد هذا ما نصه : « وجعل بحافة البحر الملح منارا يعلم منه أمر البحر وما يحدث فيه من أقصى ما يصل اليه البصر على مسيرة أيام وهو أوّل من اتخذها » .