إلى السماء . فمسخها اللَّه تعالى كوكبا . فعلى قول هؤلاء هي الزّهرة بعينها ، وقيّدوها فقالوا : هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسية « ناهيد » ، وبالنبطية « بيدخت » .
قال : ويدلّ على صحة هذا القول ما رواه الثعلبىّ بسنده إلى علىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه قال : كان النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم إذا رأى سهيلا قال : « لعن اللَّه سهيلا إنه كان عشّارا « 1 » باليمن ولعن اللَّه الزّهرة فإنها فتنت ملكين » .
وقال مجاهد : كنت مع ابن عمر رضى اللَّه عنهما ذات ليلة فقال لي : ارمق الكوكبة فإذا طلعت فأيقظني ، فلمّا طلعت أيقظته ، فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّا شديدا ، فقلت : رحمك اللَّه تسبّ نجما سامعا مطيعا للَّه ؟ ما له يسبّ ! فقال : إن هذه كانت بغيّا فلقى الملكان منها ما لقيا . وقال نافع : كان ابن عمر رضى اللَّه عنهما إذا رأى الزّهرة قال : لا مرحبا بها ولا أهلا . وروى أبو عثمان النهدي عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما : أن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت ، فهي هذه الكوكبة الحمراء ، يعنى الزّهرة .
قال الثعلبىّ : وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا : إن الزهرة من الكواكب « 2 » السبعة السيّارة التي جعلها اللَّه قواما للعالم ، وإنما كانت هذه التي فتنت هاروت وماروت امرأة ، كانت تسمّى زهرة من جمالها ، فلمّا بغت جعلها اللَّه تعالى شهابا ،
هامش
« 1 » العشار : الذي يقبض عشر الأموال .
« 2 » ويؤيد هذا ما قاله الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة ( ج 2 ص 52 ) : « هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره ، لا يصح منه شئ ، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناه اللَّه على وحيه ، وسفراؤه إلى رسله ( لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) ، ( بل عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ، ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) . وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ، ويخلق فيهم الشهوات ؛ إذ في قدرة اللَّه تعالى كل موهوم ؛ ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء ، لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح . ومما يدل على عدم صحته أن اللَّه تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ؛ ففي الخبر : أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوّارة زحل والمشترى وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر . وهذا معنى قول اللَّه تعالى : ( وكل في فلك يسبحون ) . فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ، ثم إن قول الملائكة : ما كان ينبغي لنا عوده ، لا تقدر على فتنتنا ، وهذا كفر نعوذ باللَّه منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات اللَّه عليهم أجمعين ؛ وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون » .