تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
كان في فعله ذلك وتملَّكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة كاد عقله يزول ، خوفا منه لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوّته . ولم يتيقّن هلاكه وأضمر في نفسه الهرب من مصر بما معه من الأموال . قال : ولما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد وأنه سيعود ، فأطلع بعض السّحرة ممن يثق به على أمره وقال : إني خائف من الوليد وقد عزمت على الخروج من مصر فما الوجه عندكم ؟ قالوا : نحن ننجيك منه على أن تقبل منا . قال : قولوا ، قالوا : تعمل عقابا وتعبده ؛ فإن الذي حصّنك منه أحد الروحانيين وهو يريد ذلك منك . قال عون : أشهد لقد قال لي وأنا معه : أعرف لي هذا المقام ولا تنسه . قالوا : قد بينا لك . فأجابهم إلى ذلك وعمل عقابا من ذهب وعمل عينيه جوهرتين ووشّحه بأصناف من الجوهر ، وعمل له هيكلا لطيفا وجعله في صدره وأرخى عليه ستور الحرير ، وأقبل أولئك يبخّرونه ويقرّبون إليه ويسحرون إلى أن نطق لهم ، فأقبل عون على عبادته ودعا الناس إليها فأجابوه . فلما مضى لذلك مدّة أمره العقاب ببناء مدينة يحوله إليها وتكون معقلا له وحرزا من كل أحد . فأمر عون أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا كل أرض سهلة حسنة الاستواء ، ويكون المدخل إليها بين هجول « 1 » صعبة وجبال وعرة ، ويتوخّوا أن تكون قريبة من ناحية مغيض الماء التي هي اليوم الفيوم . وكانت مغيضا لماء النيل حتى أصلحها يوسف عليه السلام على ما نذكره إن شاء اللَّه . وإنما أراد عون بذلك ليجرّ الماء منها إلى مدينته التي يبنيها ؛ فخرج أصحابه وأقاموا شهرا يطوفون الصحارى حتى وجدوا له بغيته ، ولم يبق فاعل ولا مهندس ولا أحد ممن
هامش
« 1 » هجول : جمع هجل ( بفتح فسكون ) ، وهو المطمئن من الأرض .