يحسنون البناء والعمل والآلة . قالوا : وما تلك الآلة : قال * ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) * يعنى قطعه ، واحدتها زبرة ، وأتونى بالنّحاس . قالوا : من أين لنا الحديد والنّحاس [ ما يكفى هذا العمل « 1 » ] ؟ قال ، سأدلَّكم على معادن الحديد والنحاس ، فضرب لهم في جبلين حتى فلقهما ، ثم استخرج منهما معدنين من الحديد والنحاس . قالوا : فبأىّ قوّة نقطع الحديد والنحاس ؟ فآستخرج معدن السامور وهو أشدّ ما خلق اللَّه بياضا ، وهو الذي قطع به سليمان صخور بيت المقدس وجواهره ، كما تقدّم . قال الثعلبىّ :
ولمّا شغلهم الإسكندر في استخراج الحديد والنحاس سار نحو يأجوج ومأجوج ليعلم علمهم ، فانطلق يؤمّهم حتى انتهى إليهم وتوسّط بلادهم ، فوجدهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم ، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منّا .
وروى عن علىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه أنه قال : منهم من طوله شبر ، ومنهم من هو مفرط في الطول ، لهم مخاليب في أيديهم موضع الأظافر ، وأنياب وأضراس كالسّباع ، يسمع لها حركة إذا أكلوا كقضم البغل المسنّ أو الفرس القوىّ ، ولهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به الحرّ والبرد ، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان ، إحداهما وبرة والأخرى زغبة ، يفترش إحداهما ويلتحف الأخرى ، ويصيّف في إحداهما ويشتّى في الأخرى « 2 » . وقال الأنماطىّ في خبره :
هامش
« 1 » زيادة عن الثعلبي .
« 2 » ورد في البداية والنهاية لابن كثير ( ج 2 ص 110 طبع مصر ) ردّا على هذا ما نصه : « من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدّا ، فمنهم من هو كالنخلة السحوق ، ومنهم من هو غاية في القصر . ومنهم من يفترش أذنا من أذنبه ويتغطى بالأخرى ؛ فكل هذه أقوال بلا دليل ، ورجم بالغيب بغير برهان . والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم » ا ه . ولا شك أن ما يذكره أصحاب القصص من صفات يأجوج ومأجوج فغالبه ليس بصحيح ، وإنما هو من قبيل الخرافات والاسرائليات التي هي كذب محض ، تناقله أولئك الرواة والكاتبون بدون تحرّز ولا تدقيق وقد أثبت المحققون من رجال التاريخ أن أصل المغول والتتر من رجل يقال له « ترك » . وسماه أبو الفداء باسم « مأجوج » . فيظهر من هذا أن المغول والتترهم يأجوج ومأجوج وكانوا يشغلون الجزء الشمالي من آسيا الكبرى من التيبت جنوبا إلى المحيط المنجمد الشمالي ، وتنتهى بلادهم غربا بما يلي بلاد التركستان . وما ذكره اللَّه تعالى من إفسادهم في الأرض فقد ذكر المؤرخون أن هذه الأمم كانت تغير على من جاورها من الأمم في أزمنة مختلفة وأهلكوا الحرث والنسل وخربوا البلاد . وذكروا أن منهم الأمم المتوحشة والجيوش الجارفة التي انحدرت من هضبات آسيا الوسطى إلى أوروبا وآسيا الغربية مقرّ الأنبياء ( صلوات اللَّه وسلامه عليهم ) . كل ذلك قبل نزول القرآن وظهور النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى أن ظهرت تلك الداهية الدهياء والغارة الشعواء في أوائل القرن السابع من الهجرة إذ ظهر منهم رجل يسمى « تموجينى » وهو جنكزخان المتوفى سنة 624 ه فاكتسح بمجموعه قسما عظيما من البلاد الاسلامية وأبادوا جموعها حتى وصلوا إلى الشام بدون أن ينال فسادهم الحرمين الشريفين ولا القدس كما أخبرت به الأحاديث . وقد انسابوا على البلاد الاسلامية من كل حدب ؛ وذلك هو مصداق القرآن الكريم . ومن أراد الاستفاضة في هذا فليراجع تفسير العلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري ( ج 9 ص 197 - 208 ) والدعاية إلى سبيل المؤمنين للعلامة الشيخ إبراهيم أطفيّش الجزائري ( ص 149 - 153 ) وفاكهة الخلفاء ( ص 226 ) . وقال المرحوم أمين واصف بك في كتابه معجم الخريطة التاريخية للممالك الاسلامية عن يأجوج ومأجوج ما نصه : « يؤخذ مما قرره الباحثون أن هذه الأقوام هي أمم السكيكثيون Ces Seytes عند اليونان ؛ وكانت منازلهم بالشمال الشرقي من بحر الخزر ، وهم قبائل رحل ، وكانوا على حدود بلاد ما وراء النهر مما يلي فرغانة والشاش ؛ ومنهم قبائل الخزر والمساجيت أو من سلانتهم » ا ه .