في السفر الثالث عشر « 1 » من هذه النسخة . قال : فلما انقرضوا وأبادهم الفناء توارثها بعدهم جماعة من الملوك ليس هذا موضع ذكرهم ، حتى انتهى الملك إلى رجل فظَّ غليظ يقال له شراحى الحميرىّ . وكان من عادته مع قومه أنه افترض على أهل مملكته في كل أسبوع أن يأتوه بجارية من بناتهم فيفتضّها ثم يردّها إلى أهلها . وكان ذو شرح وزيره وهو من أبناء ملوك حمير من ولد سبأ ، وكان لذي شرح ألف قصر وألف فرس عتيق « 2 » وألف سيف يمان ، وكان يرجع إلى حسن وجمال وعقل ، وكان مولعا بالصيد ، فكانت الجنّ تتصوّر له في صورة الظبي ، فإذا صادهم وهمّ بذبحهم كلَّموه وقالوا له : لا تعجل فإنّا إنما جئنا لننظر إلى محاسن وجهك . وكانت الجنّ تؤذى أهل اليمن ، فأقسم ذو شرح أن يقتل ملك الجنّ ويتزوّج بابنته . قال : وكان اسم ملك الجنّ عمير ، وكان حسن الوجه ، وابنته عميرة . فمرّ ذو شرح ذات يوم في واد من بلاد اليمن كثير الأشجار فنزل به ، حتى جنّة الليل ، وكان في جمع قليل من أصحابه ، وكان الوادي الذي نزل به من مساكن الجنّ . فلما مضى بعض الليل سمع همهمة الجنّ ، فقام ونادى : يا معشر الجنّ ، قد نزلت بكم الليلة على أن تضيفونى فإني جار لكم ، فأسمعونى من أشعاركم . قال : فأنشدته الجنّ من أشعارها ، وجاءته عميرة بنت عمير ملك الجن على أحسن صورة . فلما نظر إليها ذهل عقله من حسنها ، وغابت عن عينه فشغف بحبّها فقال : يا معشر الجنّ ، إن أنتم زوّجتموها منى وإلَّا كنت حربا لكم ما عشت أبدا . فنادوه : يا ذا شرح ، إنك آدمىّ فكيف تقاتل الجنّ ومسكنهم الهواء وظلمات الأرض ! مهلا أيها الآدمىّ لا تعرّض نفسك إلى ما لا تقدر عليه وارجع ، فإن قدّر لك أمر فسوف تناله . فلما سمع ذلك أيس
هامش
« 1 » يقع هذا في نحو الجزء السابع عشر من أجزاء هذه الطبعة .
« 2 » فرس عتيق ، أي رائع .