فانصرفوا عنه ، وخاف تارح أن يسعوا به وبولده إلى نمروذ ، فقال : يا إبراهيم كفّ عن هذا الكلام حتّى استخلفك على خزانة الأصنام فقد كبرت . فقال :
يا أبت ، إنّ المعبود هو اللَّه ، والأصنام لا تضرّ ولا تنفع .
فغضب تارح وأقبل على نمروذ ، فسجد له ، وقال : إن المولود الذي كنت تحذره هو ولدى ، ولم يولد في دارى ، ولا أعلم به حتّى الآن ، وقد جاءني وهو غلام يعقل ويفهم ، ويزعم أن له ربا سواك ، وقد أعلمتك فاصنع ما أنت صانع .
فلمّا سمع نمروذ ذلك داخله الرعب وقال : صفه . فوصفه . قال نمروذ :
هو الَّذى رأيته في منامي . وقال لأعوانه : ائتوني به . فأتوه به ، فردّد النظر إليه وقال : احبسوه إلى غد ؛ فلمّا أصبح أحضره وقد أمر بتزيين قصره بأعظم زينة ، وهوّل عليه بجنوده وأصناف السلاح ؛ فالتفت إبراهيم إلى الناس يمينا وشمالا وقال : * ( ما تَعْبُدُونَ ) * ؟ فذلك قوله تعالى : * ( واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ، إِذْ قالَ لأَبِيه وقَوْمِه ما تَعْبُدُونَ ) * إلى قوله : * ( إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ) * ثم قال : * ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) * إلى قومه : * ( واجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) * ثم التفت وقال :
* ( واغْفِرْ لأَبِي إِنَّه كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) * إلى قوله : * ( وبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ) * .
فلمّا فرغ من كلامه قال له نمروذ ، يا إبراهيم ، تقع في ديني وأنا الَّذى خلقتك ورزقتك ؟ قال : كذبت ، إنّ خالقي ورازقى وخالق الخلق ورازقهم ، * ( هُوَ الله الَّذِي لا إِله إِلَّا هُوَ ) * * فبهت الناس ، ووقعت في قلوبهم محبّته لحسنه وحسن كلامه ؛ فالتفت نمروذ إلى تارح وقال : إنّ ولدك صغير لا يدرى ما يقول ولا يجوز لمثلى في قدرتى وعظم مملكتي أن أعجّل عليه ؛ فخذه إليك ، وأحسن إليه وحذّره بأسى حتى يرجع عما هو فيه .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 104
مساهمون: النويري
ص١٠٤