تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
بابك . فقالت : انظروا أىّ شئ هذا ، إذ دخل بوّابها فقال : علىّ بن هشام بالباب . فقالت : وما أصنع به ! فقامت إليها جاريتها وشيك [ 1 ] ، وكانت ترسلها إلى الخليفة وغيره في حوائجها ، فأكبّت على رجلها وقالت : اللَّه ! اللَّه ! أتحتجبين على علىّ بن هشام ! فدعت بمنديل فطرحته على رأسها ولم تقم إليه . فقال : إني جئتك بأمر سيّدى أمير المؤمنين ، وذلك أنه سألني عنك فقلت له : لم أرها منذ أيام ؛ فقال : هي عليك غضبى ، فبحياتى لا تدخل منزلك حتى تدخل إليها فتسترضيها ! . فقالت : إن كنت جئتنا بأمر الخليفة فأنا أقوم ، فقامت فقبّلت رأسه ويديه ؛ وقعد ساعة وانصرف . فقالت : يا وشيك ، هاتي الدواة وقرطاسا ففعلت ، فجعلت تكتب فيه يومها وليلتها حتى كتبت اثنى عشر ألف صوت - وقيل : سبعة آلاف صوت - ثم كتبت إليه : يا علىّ بن هشام ، تقول : استغنيت عن بذل بأربعة آلاف صوت أخذناها منها ! وقد كتبت هذا وأنا ضجرة ، فكيف لو فرّغت لك قلبي كلَّه ! . وختمت الكتاب وقالت لها : امضى به إليه . فما كان أسرع من أن جاء رسوله ( خادم أسود يقال له مخارق ) بالجواب يقول فيه : يا سيّدتى ، لا واللَّه ما قلت الذي بلغك ، ولقد كذب علىّ عندك ، إنما قلت : لا ينبغي أن يكرن في الدنيا أكثر من أربعة آلاف صوت ، وقد بعثت إلىّ بديوان لا أؤدّى شكرك عليه أبدا ؛ وبعث إليها بعشرة آلاف درهم وتخوت فيها بزّ [ 2 ] ووشى وملح وتختا مطبقا فيه أنواع الطيب . وقيل : إن إبراهيم بن المهدىّ كان يعظَّمها ، ثم يرى أنه يستغنى عنها بنفسه . فصارت إليه ، فدعت بعود فغنّت في طريقة واحدة وانقطاع واحد وإصبع واحدة مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها صوتا واحدا ، ثم وضعت العود وانصرفت ، ولم تدخل داره حتى طال طلبه لها وتضرّعه إليها في الرجوع إليه .
هامش
[ 1 ] في الأغانى ( ج 15 ص 145 طبع بلاق ) : « وشيكة » . [ 2 ] في الأغانى : خز .