وقال جحظة عن أبي حشيشة : وكانت أحسن الناس غناء في دهرها ، وكانت أستاذة كل محسن ومحسنة ، وكانت أروى خلق اللَّه للغناء . وكانت لجعفر بن موسى الهادي ؛ فوصفت لمحمد الأمين ، فبعث إلى جعفر فسأله أن يزيره إياها فأبى ؛ فأتاه الأمين إلى منزله فسمع ما لم يسمع مثله قطَّ ؛ فقال لجعفر : يا أخي ، بعني هذه الجارية .
فقال له : يا سيّدى ، مثلي لا يبيع جارية . قال : هبها لي . قال : هي مدبّرة [ 1 ] . فاحتال الأمين عليه حتى أسكره وأمر بحمل بذل إلى الحرّاقة وانصرف بها . فلما أفاق جعفر سأل عنها ، فأخبر بالخبر ، فسكت . فبعث إليه محمد من الغد ، فجاء وبذل جالسة فلم يقل شيئا . فلما أراد جعفر أن ينصرف قال الأمين : أوقروا حرّاقة ابن عمىّ دراهم فأوقرت ، فكان مبلغ ذلك عشرين ألف ألف درهم . وبقيت بذل عند الأمين إلى أن قتل ؛ ثم خرجت فكان ولد جعفر وولد الأمين يدّعون ولاءها ؛ فلما ماتت ورثها ولد الأمين .
وقال محمد بن الحسن الكاتب : إن الأمين وهبها من الجوهر ما لم يملك أحد مثله ، فسلَّم لها بعد مقتل الأمين ، فكانت تبيع منه الشئ بعد الشئ بالمال العظيم ؛ فكانت على ذلك مع ما يصل إليها من الخلفاء إلى أن ماتت وعندها منه بقية عظيمة .
قال : ورغب إليها وجوه القوّاد والكتّاب والهاشمييّن في التزويج فأبته ، وأقامت على حالها حتى ماتت .
وحكى أبو حشيشة قال : كنت يوما عند بذل وأنا غلام ، وذلك في أيّام المأمون وهو ببغداد ، وهى في طارمة [ 2 ] لها تمتشط ؛ فخرجت إلى الباب فرأيت الموكب فظننت أنّ الخليفة يمرّ على ذلك الموضع ؛ فرجعت إليها فقلت : يا سيّدتى ، الخليفة يمرّ على
هامش
[ 1 ] دبر العبد إذا قال له : أنت حر بعد موتى .
[ 2 ] الطارمة : بناء من خشب كالقبة . معرب .