تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلا ؛ فإن الولد مقصود لبقاء نسله ، وتكثير أمّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم من القربات . واللذّة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضرّه إذا لم تكن هي المقصد والمطلب ؛ وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذّة الأكل والشرب ، وليس ذلك من الزهد في شئ ؛ لأن في ترك ذلك فوات بدنه ، فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله ؛ فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذّته من غير آفة أخرى . قال : وأكثر الناس تشغلهم كثرة النسوان ، فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله ، وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع قلبه في ذلك . قال أبو سليمان : الزهد في النساء أن تختار المرأة الدّون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة . وقال الجنيد : أحبّ للمريد المبتدى ألَّا يشغل قلبه بثلاث وإلَّا تغيّر حاله : التكسّب ، وطلب الحديث ، والتزوّج . فقد ظهر أن لذّة النكاح كلذّة الأكل والشرب ، فما شغل عن اللَّه تعالى فهو محذور فيهما جميعا . المهم السادس : ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه . [ أمّا الجاه [ 1 ] ] فمعناه ملك القلوب بطلب محلّ فيها ليتوصّل به إلى الاستعانة في الأغراض والأعمال . وكلّ من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجاته وافتقر إلى من يخدمه افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه ؛ لأنه إن لم يكن له عنده محلّ وقدر لم يقم بخدمته . وقيام القدر والمحلّ في القلوب هو الجاه . قال : وإنما يحتاج إلى المحلّ في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضرر أو لخلاص من ظلم . فأمّا النفع فيغنى عنه المال ؛ فإنّ من بخدم بأجرة خدم وإن لم يكن عنده للمستأجر قدر ، وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم
هامش
[ 1 ] الزيادة عن الإحياء .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 269 | النويري