تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وفعل بنفسه ما شاء . قال : والذي يضطرّ الإنسان إليه من الجاه والمال ليس بمحدود ؛ فالزائد منه على الحاجة سمّ قاتل ، والاقتصار على قدر الضرورة دواء نافع ، وما بينهما درجات متشابهة ، فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سمّا قاتلا فهو مضرّ ، وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنّه قليل الضرر . والسمّ محظور شربه ، والدواء فرض تناوله ، وما بينهما مشتبه أمره . فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه ، ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه ، ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وردّ نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرقة الناجية لا محالة . والمقتصر على [ قدر [ 1 ] ] الضرورة والمهمّ لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا ، بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين ، والشرط من جملة المشروط . وقد روى أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما . فأوحى اللَّه تعالى إليه : لو سألت خليلك لأعطاك . فقال : يا ربّ ، عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئا . فأوحى اللَّه إليه : ليس الحاجة من الدنيا . فعلى هذا يكون قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال في الآخرة ؛ وهو أيضا في الدنيا كذلك ، يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذّلّ فيه ؛ وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلوه ، وربما يكونون أعداء له ، وقد يستعينون به على المعاصي فيكون هو معينا لهم عليها . ولذلك شبّه جامع الدنيا ومتّبع الشهوات بدود القزّ إذ لا يزال ينسج على نفسه حيّا [ 2 ] ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه ؛ فكذلك كلّ من اتبع شهوات الدنيا . قال الشاعر :
هامش
[ 1 ] الزيادة عن الإحياء . [ 2 ] كذا في الإحياء . وفى الأصل : « ينسج على نفسه حتى يقتلها ثم يروم » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 271 | النويري