تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
غروره دون أن [ تستوثق [ 1 ] و ] تستظهر بموثق غليظ [ 2 ] من اللَّه تعالى ؛ فإنّك إذا لم تجرّب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها ؛ فكم من ظانّ بنفسه كراهة المعاصي عند تعذّرها فلما تيسّرت له أسبابها من غير مكدّر ولا مخوف من الخلق وقع فيها . وإذا كان هذا غرور النفس في المحظورات فإيّاك أن تثق بوعدها في المباحات . والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجرّبها مرّة بعد مرّة في حال القدرة ، فإذا وفّت بما وعدت على الدوام مع انتفاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما ، ولكن تكون من تغيّرها على حذر ، فإنها سريعة النقض للعهد ، قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع . وبالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما تركت فقط وذلك عند القدرة . قال : وليس من الزهد بذل المال على سبيل السخاء والفتوّة وعلى سبيل استمالة القلوب ولا على سبيل الطمع ، فذلك كلَّه من محاسن العادات ولا مدخل له في العبادات ، إنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة . [ فأمّا كل نوع من الترك فإنه يتصوّر ممن لا يؤمن بالآخرة [ 1 ] ] فذلك قد يكون مروءة وفتوّة وسخاء وحسن خلق ، وحسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العالجة ، وهى ألذّ وأهنأ من المال ؛ بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة عفوا وصفوا وهو قادر على التنعّم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم وفوات حظَّ للنفس ، فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير اللَّه ومحبّا لما سوى اللَّه ، ويكون مشركا في حبّ اللَّه غير اللَّه ؛ أو تركها طمعا في ثواب آخر فترك التمتّع بأشربة الدنيا طمعا في أشربة الجنّة ، وترك التمتّع بالسرارى والنسوان طمعا في الحور العين ، وترك التفرّج في البساتين طمعا في بساتين الجنّة وأشجارها ، وترك التزيّن والتجمّل بزينة الدنيا طمعا في زينة الجنّة ، وترك المطاعم اللذيذة طمعا
هامش
[ 1 ] زيادة عن الإحياء . [ 2 ] كذا في الإحياء . وفى الأصل : « بموثق عليك » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 236 | النويري