تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥

وأمّا العمل الصادر عن حال الزهد

فهو ترك وأخذ ، لأنه بيع ومعاملة واستبدال الذي هو خير بالذي هو أدنى . فكما أنّ العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع [ 1 ] وإخراجه عن اليد وأخذ العوض ، فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلَّية وهى الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها ، فيخرج من القلب حبّها ويدخل حبّ الطاعات ويخرج من اليد والعين ما أخرجه من القلب ، ويوظَّف على اليد والعين وسائر الجوارح وظائف من الطاعات ، وإلَّا كان كمن سلَّم المبيع ولم يأخذ الثمن . فإذا وفّى شرط الحالتين في الأخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به ، فإن الذي بايعه بهذا البيع وفىّ بالعهد ؛ فمن سلَّم حاضرا في غائب وسلَّم الحاضر وأخذ يسعى في طلب الغائب سلَّم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد . وما دام ممسكا للدّنيا فلا يصح زهده أصلا ، ولذلك لم يصف اللَّه تعالى إخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن كانوا قد قالوا : * ( لَيُوسُفُ وأَخُوه أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا ) * ، وعزموا على إبعاده كما عزموا على إبعاد يوسف حتى شفع فيه أحدهم فترك ، ولا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه إلا عند التسليم والبيع . فعلامة الرغبة الإمساك ، وعلامة الزهد الإخراج . فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ، ولست زاهدا مطلقا ؛ وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصوّر منك الزهد ، لإنّ ما لا تقدر عليه لا تقدر على تركه . وربما يستهو يك الشيطان بغروره ويخيّل [ إليك [ 2 ] ] أنّ الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهد فيها ، فلا ينبغي أن تتدلَّى بحبل
هامش
[ 1 ] كذا بالإحياء . وفى الأصل : « هو بدل البيع » . [ 2 ] زيادة عن الإحياء .