تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
والقصور والفواكه والأنهار فهو أيضا زاهد ولكنّه دون الأوّل . والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض ، كالذي يترك المال دون الجاه ، أو يترك التوسّع في الأكل ولا يترك التجمّل في الزينة ، فلا يستحقّ اسم الزهد مطلقا ؛ ودرجته في الزّهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين ، وهو زهد صحيح كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة ؛ فإنّ التوبة عبارة عن ترك المحظورات ، والزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي حظَّ النفس . والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمّى زاهدا ، وإن كان زهد في المحظور وانصرف عنه ، ولكنّ العادة تخصّص هذا الاسم بتارك المباحات . فإذا الزهد عبارة عن رغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير اللَّه عدولا إلى اللَّه ، وهى الدرجة العليا . وكما يشترط في المرغوب فيه [ 1 ] أن يكون خيرا عنده ؛ فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه ، فإنّ ترك ما لا يقدر عليه محال ، وبالترك يتبيّن زوال الرغبة ؛ ولذلك قيل لابن المبارك : يا زاهد ؛ فقال : الزاهد عمر بن عبد العزيز ، إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها ، وأما أنا ففيم زهدت !

وأمّا العلم الذي هو المثمر لهذا الحال

فهو العلم يكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ ، كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه ؛ وما لم يتحقّق هذا العلم لا يتصوّر أن تزول الرغبة عن المبيع ، فكذلك من عرف أن ما عند اللَّه باق وأن الآخرة خير وأبقى ، أي لذّتها خير في نفسها وأبقى . فبقدر قوّة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة ؛ حتّى إنّ من قوى يقينه يبيع نفسه وماله ، كما قال اللَّه عز وجل :
هامش
[ 1 ] كذا في الإحياء . وفى الأصل : « المرغوب اليه » .