تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
عنه لرغبته عنه ، وإنما عدل إلى غيره لرغبته فيه . فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمّى [ زهدا ، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمّى [ 1 ] ] رغبة وحبّا . فإذا يستدعى حال الزهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه [ 2 ] هو خير من المرغوب عنه . وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه ؛ فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمّى زاهدا ، فتارك التراب والحجارة والحشرات لا يسمّى زاهدا ، لأن ذلك ليس في مظنّة الرغبة ، وإنما يسمّى زاهدا تارك الدراهم والدنانير . وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة ؛ فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خير من المبيع ، فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه ، وبالإضافة إلى العوض رغبة وحبّا ؛ ولذلك قال اللَّه تعالى : * ( وشَرَوْه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيه مِنَ الزَّاهِدِينَ ) * وشروه بمعنى باعوه ، ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم ، وكان ذلك عندهم أحبّ إليهم من يوسف فباعوه طمعا في العوض . فإذا كلّ من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا ، وكلّ من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ؛ ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن زهد في الدنيا ؛ كما خصّص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصّة ، وإن كان هو الميل في وضع اللسان . قال : ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصوّر إلا بالعدول إلى شئ هو أحبّ منه ، وإلا فترك المحبوب بغير الأحبّ محال . والذي يرغب عن كلّ ما سوى اللَّه تعالى حتى الفردوس ولا يحبّ إلا اللَّه تعالى فهو الزاهد المطلق . والذي يرغب عن كل حظَّ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور العين
هامش
[ 1 ] زيادة عن الإحياء . [ 2 ] كذا في الإحياء . وفى الأصل : « إليه » .