تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
* ( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) * . وليتأسّ الفاقد برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقد جعل اللَّه فيه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر ، وليقتد بأصحابه رضى اللَّه عنهم ليفوز بثواب الصابر ويحوز أجر الشاكر . وباب الرّثاء فهو باب فسيح الرّحاب والنوادي ، فصيح اللسان في إجابة المنادى ذي القلب الصادي ؛ متباين الأسلوب ، مختلف الأطراف متباعد الشعوب ؛ منه ما يصمى القلوب بنباله ، ومنه ما يسلَّيها بلطيف مقاله ؛ ومنه ما يبعثها على الأسف ، ومنه ما يصرفها عن موارد التلف . وقد أكثر الشعراء القول في هذا الباب ، وارتقوا الذّروة العلياء من هذه الهضاب ؛ ووجدوا مكان القول ذا سعة فقالوا ، وأصابهم هجير اللوعة فمالوا إلى ظلَّه وقالوا . قال الأصمعىّ : قلت لأعرابىّ : ما بال المراثى أشرف أشعاركم ؟ قال : لأنا نقولها وقلوبنا محترقة . وعلى الجملة فالموت هو المصيبة التي لا تدفع ، والرزيّة التي لا تردّ بكثرة الجموع ولا تمنع ؛ والحادثة التي لا تنصرف بالفداء وإن جلّ مقداره ، والنازلة التي لا تتأخر عن وقتها بالدعاء وإن عظمت في غيرها آثاره ؛ وهو أحد الأربعة التي فرغ منها ، وصرفت وجوه المطامع عنها . وقد قالت الحكماء : أعظم المصائب كلَّها انقطاع الرجاء . وقالوا : كل شئ يبدو صغيرا ثم يعظم إلا المصيبة فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر . وقالوا : لا يكون البكاء إلا من فضل ، فإذا اشتدّ الحزن ذهب البكاء . قال شاعر :
فلئن بكيناه لحقّ لنا ولئن تركنا ذاك للصّبر فلمثله جرت العيون دما ولمثله جمدت فلم تجر
وقيل : مرّ الأحنف بامرأة تبكى ميّتا ورجل ينهاها ؛ فقال : دعها فإنها تندب عهدا وسفرا بعيدا . قيل لأعرابيّة مات ابنها : ما أحسن عزاءك ؟ قالت :
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 165 | النويري