تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
كلّ جانب ، وحميت الحرب بين الكتائب الإسلاميّة وبين تلك الكتائب ؛ ودخل الليل ونار الحرب تشتعل ، والجياد من المحاجر تحفى وبالجماجم تنتعل ؛ فأووا إلى جبال اعتصموا بهضابها ، واحتموا بتوعّر مسالكها وضيق عقابها ؛ وأحاطت بهم الجيوش المنصورة لحوسهم [ 1 ] لا لحفظهم ، وتضمّ أطرافهم لا لحبّهم بل لبغضهم ؛ فكانوا - بعد كثرة من قتل منهم في المعركة الأولى أو فرّ من أوّل الليل - جمعا يناهز الأربعين ألف فارس ، فأصبحوا يعاودون القتال ، وينزلون إلى أطراف الجبال للنّزال ؛ والجيوش المنصورة تلزمهم من كل جانب ، وتحكَّم في أبطالهم القنا والقواضب . وجرت في أثناء ذلك حملات ظهر في كلّ منها خسارهم ، وشهد عندهم بما يكابدون قتلهم وإسارهم ؛ وبعد ذلك نزلوا من جانب واحد يطلبون الفرار ، ويتوقّعون القتل إن تعذّر الإسار ؛ فساقت خلفهم الجيوش المنصورة تتخطَّفهم رماحها ، وتتلقّفهم صفاحها ؛ وتقاذفت بمن نجا منهم الفلوات ، وغرّقتهم أمواج السّراب قبل أمواج الفرات ؛ فأخذوا قنصا باليد من بطون الأودية ورؤس الشّعاب ، ولم يحصل أحد منهم على الغنيمة بالإياب ؛ وقتل أكثر مقدّمى التمانات [ 2 ] وفرّ كبيرهم وأنّى له الفرار ، وبين يديه مفاوز إن سلك منها تناولته بأرماح من العطش القفار . فليأخذ المولى حظَّه من هذه البشرى التي تنبىء عن الفتح العظيم والفضل العميم ، والنّصرة التي حفظ اللَّه بها على الإسلام البلاد والثغور والأموال والحريم ؛ ويكتب إلى البلاد بمضمونها ، ويسرّ قلوب أهل الثغور بمكنونها ؛ ويستنهض المولى الأمّة لشكر اللَّه عليها ، ومن ذا الذي يقوم بشكر ذلك ! ويعرّفهم مواقع هذه النّصرة التي أنجد اللَّه فيها الإسلام بالملائك ؛ ويتقدّم أمره بضرب البشائر بكلّ مكان ، ويشهر في جميع الثغور أن عدوّ
هامش
[ 1 ] في الأصل : « لحرسهم » بالراء . والحوس : القتل . [ 2 ] في أحد الأصول : « التومانات » .