تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
إلى جعفر بن يحيى ، فسأله عن خبره فقال له : كان عندي أبو زكَّار الأعمى وأبو صدقة ، وكان أبو زكَّار كلَّما غنّى صوتا ، لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة ؛ فإذا انتهى الدور اليه أعاده وحكى أبا زكَّار فيه وحركاته وشمائله ، ويفطن أبو زكَّار لذلك فيجنّ ويموت غيظا ويشتم أبا صدقة كلّ الشتم حتى يضجر ، وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به وأنا أضحك من ذلك ، إلى أن توسّطنا الشرب وسمئنا من عبثه به ؛ فقلت له : دع هذا عنك وغنّ غناءك . فغنّى رملا ذكر أنه من صنعته ، فطربت له واللَّه يا أمير المؤمنين طريا ما أذكر أنى طربت مثله منذ حين « 1 » وهو :
فتنتنى بفاحم اللون جعد وبثغر كأنه نظم درّ وبوجه كأنه طلعة البد روعين في طرفها نفث سحر
فقلت له : أحسنت واللَّه يا أبا صدقة ! فلم أسكت من هذه الكلمة حتى قال : يا سيدي إني قد بنيت دارا أنفقت عليها جميع مالي وما أعددت لها فرشا فآفرشها لي . فتغافلت عنه . وعاود الغناء فتعمّدت أن « 2 » قلت : أحسنت ، فسألني فتغافلت ؛ فقال : يا سيدي ، هذا التغافل متى حدث لك ؟ سألتك باللَّه وبحقّ أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم . فأقبلت عليه وقلت له : أنت واللَّه بغيض ، اسكت يا بغيض ، واكفف عن هذه المسألة الملحّة . فوثب من بين يدىّ ، فقلت : إنه قد خرج لحاجة ، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرّد منها خوفا من أن تبتلّ ووقف تحت السماء لا يواريه شئ والمطر يأخذه ورفع رأسه وقال : يا ربّ أنت تعلم أنى مله ولست نائحا ، وعبدك الذي قد رفعته وأحوجتنى إلى خدمته يقول لي : أحسنت لا يقول لي : أسأت ، وأنا مذ جلست أقول له : بنيت ولا أقول له : هدمت ، فيحلف
هامش
« 1 » في الأصول : « منذ حين وزمان » ولا معنى لذكر كلمة « زمان » وهى غير موجودة في الأغانى . « 2 » كذا في الأغانى . وفي الأصول : « لأن قلت » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 50 | النويري