تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
لي ، فأطرد حتّى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض ، فأخطأته ومضيت ، فاستوى على فرسه واتبعنى فقرع بالقناة رأسي وقال : يا عمرو ، خذها إليك ثالثة ، ولولا أنى أكره قتل مثلك لقتلتك ، فقلت له : اقتلنى ، فإن الموت أحب إلىّ مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا ، فقال يا عمرو : إنما العفو ثلاث ، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك ، وأنشأ يقول :
وكَّدت أغلاظا من الأيمان إن عدت يا عمرو إلى الطَّعان ، لتوجرنّ لهب السّنان أولا ، فلست من بنى شيبان !
فلما قال هكذا ، كرهت الموت ، وهبته هيبة شديدة ، وقلت : إنّ لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قلت : أكون لك صاحبا ، ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين ، قال : لست من أصحابي ، فكان ذلك واللَّه أشدّ علىّ وأعظم مما صنع . فلم أزل أطلب إليه حتى قال : ويحك ، وهل تدرى أين أريد ؟ قلت : لا ، قال : أريد الموت عيانا ، فقلت : رضيت بالموت معك ، فقال : امض بنا ، فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتّى جنّنا الليل وذهب شطره . فوردنا على حىّ من أحياء العرب ، فقال لي : يا عمرو في هذا الحىّ الموت ، ثم أومأ إلى قبة في الحىّ فقال : وفي تلك القبة الموت الأحمر ، فإما أن تمسك علىّ فرسى فأنزل فآتى بحاجتي ، وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتينى بحاجتي ، فقلت : لا ، بل انزل أنت ، فأنت أعرف بموضع حاجتك ، فرمى إلىّ بعنان الفرس ونزل ، فرضيت لنفسي يا أمير المؤمنين أن أكون له ساسا . ثم مضى حتّى دخل القبة فاستخرج منها جارية لم تر عيناي قط مثلها حسنا وجمالا ، فحملها على ناقة ، ثم قال : يا عمرو ، قلت : لبيك ، قال : إما أن تحمينى وأقود أنا ، وإما أن