تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
فغنّت . فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا ، ثم قال له عبد الملك : مرها تغنك الصوت الثاني ! فقال : غنينى بشعر جميل :
ألا ليت شعري ! هل أبيتنّ ليلة بوادي القرى ؟ إني إذا لسعيد ! إذا قلت : ما بي يا بثينة قاتلي من الحبّ ! قالت : ثابت ويزيد ! وإن قلت : ردّى بعض عقلي أعش به مع الناس ! قالت : ذاك منك بعيد ! فلا أنا مردود بما جئت طالبا ، ولا حبّها فيما يبيد يبيد ! يموت الهوى منّى إذا ما لقيتها ، ويحيا إذا فارقتها فيعود !
فغنته الجارية . فسقط الغلام مغشيّا عليه ساعة . ثم أفاق ، فقال له عبد الملك : مرها فلتغنك الصوت الثالث ! فقال يا جارية ! غنينى بشعر قيس بن الملوّح :
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة غزال غضيض المقلتين ربيب . فلا تحسبى أن الغريب الذي نأى ، ولكنّ من تنأين عنه غريب !
فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف ، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض . فقال عبد الملك : ويحه ! لقد عجّل على نفسه ! ولقد كان تقديرى فيه غير الذي فعل ! وأمر بإخراج الجارية عن قصره ، فأخرجت . ثم سأل عن الغلام فقالوا : غريب ، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادى في الأسواق ، ويده على رأسه :
غدا يكثر الباكون منا ومنكم ، وتزداد دارى من دياركم بعدا !
وحكى أن مثل هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك . حكى عن أبي عثمان الجاحظ أنه قال : قعد سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلىّ فلانة