فغنّت . فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا ، ثم قال له عبد الملك : مرها تغنك الصوت الثاني ! فقال : غنينى بشعر جميل :
ألا ليت شعري ! هل أبيتنّ ليلة
بوادي القرى ؟ إني إذا لسعيد !
إذا قلت : ما بي يا بثينة قاتلي
من الحبّ ! قالت : ثابت ويزيد !
وإن قلت : ردّى بعض عقلي أعش به
مع الناس ! قالت : ذاك منك بعيد !
فلا أنا مردود بما جئت طالبا ،
ولا حبّها فيما يبيد يبيد !
يموت الهوى منّى إذا ما لقيتها ،
ويحيا إذا فارقتها فيعود !
فغنته الجارية . فسقط الغلام مغشيّا عليه ساعة . ثم أفاق ، فقال له عبد الملك : مرها فلتغنك الصوت الثالث ! فقال يا جارية ! غنينى بشعر قيس بن الملوّح :
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة
غزال غضيض المقلتين ربيب .
فلا تحسبى أن الغريب الذي نأى ،
ولكنّ من تنأين عنه غريب !
فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف ، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض . فقال عبد الملك : ويحه ! لقد عجّل على نفسه ! ولقد كان تقديرى فيه غير الذي فعل ! وأمر بإخراج الجارية عن قصره ، فأخرجت . ثم سأل عن الغلام فقالوا : غريب ، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادى في الأسواق ، ويده على رأسه :
غدا يكثر الباكون منا ومنكم ،
وتزداد دارى من دياركم بعدا !
وحكى أن مثل هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك .
حكى عن أبي عثمان الجاحظ أنه قال : قعد سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلىّ فلانة