فحماه مباح ، ولا هرير له ولا نباح ؛ والنار كالصّديق ، أو كالرّحيق ؛ كلاهما عنقاء مغرب ، أو نجم مغرّب .
وقال بعضهم :
برد بغير الألوان ، وينشّف الأبدان ؛ ويجمّد الريق في الأشداق ، والدّمع في الآماق ؛ برد حال بين الكلب وهريره ، والأسد وزئيره ، والطير وصفيره ، والماء وخريره .
وقيل لبعضهم : أىّ البرد أشدّ ؟ فقال : إذا دمعت العينان ، وقطر المنخران ، وتلجلج اللسان ، واصطكَّت الأسنان .
ووصف ابن وكيع الفصول الأربعة في أرجوزة فقال :
عندي في وصف الفصول الأربعة
مقالة تغنى اللَّبيب مقنعه .
ذكر ما قيل في فصل الصيف
أمّا المصيف ، فاستمع ما فيه
من فطن يفهم سامعيه .
فصل من الدّهر إذا قيل حضر ،
أذكرنا بحرّه نار سقر .
يظلّ فيه القلب مقشعرّا ،
والأرض تشكو حرّه المضرّا .
أوّله فيه ندى منغّص
كأنه على القلوب يقنص .
يلصق منه الجلد بالثّياب
ويعلق التّراب بالأثواب .
حتّى إذا ما طردته الشمس
وفرحت بأن يزول النّفس .
فتّحت النّار لنا أبوابها
وشبّ فيها مالك شهابها .
حرّ يحيل الأوجه الغرّانا
حتّى ترى الروم به حبشانا .
يعلو به الكرب ويشتدّ القلق
وتنضح الأبدان فيه بالعرق .