فأتى النّبىّ براية مردودة * ألّا تخوّف عارها فتذمّما
فبكى النّبىّ له و أنّبه بها * و دعا امرءا حسن البصيرة مقدما
فغدا بها في فيلق و دعا له * ألّا يصدّ بها و ألّا يهزما
فروى اليهود إلى القموص و قد كسا * كبش الكتيبة ذا غرار مخذما
و ثنى بناس بعده فقراهم * طلس الذّباب و كلّ نسر قشعما
ساط الإله بحبّ آل محمّد * و بحبّ من والاهم منّى الدّما
فصل
ثمّ تلا غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدّمها فنعمد لذكرها ، و اكثرها كان بعوثا لم يشهدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، و لا كان الإهتمام بها كالإهتمام بما سلف لضعف العدوّ ، و غناء بعض المسلمين عن غيرهم فيها ، فأضربنا عن تعدادها و إن كان لأمير المؤمنين عليه السّلام في جميعها حظّ وافر من قول أو عمل ، ثمّ كانت غزاة الفتح و هي الّتى توطّد أمر الإسلام بها و تمهّد الدّين بما منّ اللّه تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله فيها و قد كان الوعد تقدّم فى قوله عزّ اسمه :
( إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً )
إلى آخر السورة و قوله تعالى قبلها بمدّة طويلة :
( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ )
فكانت الأعين إليها ممتدّة ، و الرّقاب إليها متطاولة ، و دبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة و ستر عزيمته على مراده بأهلها ، و سأل اللّه عزّ اسمه أن يطوى خبره من أهل مكّة حتّى يبغتهم بدخولها ، و كان المؤتمن على هذا السّرّ المودع له من بين الجماعة أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب عليه السّلام ، فكان الشّريك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الرّأى ثمّ أنماه النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله إلى جماعة من بعد و استتبّ الأمر فيه على أحوال كان أمير المؤمنين عليه السّلام فى جميعها متفرّدا من الفضل بما لم يشركه فيه غيره من النّاس ، فمن ذلك أنّه لمّا كتب حاطب بن أبى بلتعة و كان من أهل مكّة و قد شهد بدرا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كتابا إلى أهل مكّة يطّلعهم على سرّ رسول اللّه فى المسير إليهم ،