وتتعب فيما سوف تكره غبه * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ( 1 )
قال يحيى بن سعيد القطان : ما رأيت مثل مسعر ، كان من أثبت الناس .
وقال سفيان الثوري : كنا إذا اختلفنا في شئ أتينا مسعرا .
قال أبو أسامة : سمعت مسعرا يقول : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر
الله ، وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟
قلت : هذه مسألة مختلف فيها : هل طلب العلم أفضل ، أو صلاة
النافلة والتلاوة والذكر ؟ فأما من كان مخلصا لله في طلب العلم ، وذهنه جيد ،
فالعلم أولى ، ولكن مع حظ من صلاة وتعبد ، فإن رأيته مجدا في طلب العلم ،
لاحظ له في القربات ، فهذا كسلان مهين ، وليس هو بصادق في حسن
نيته . وأما من كان طلبه الحديث والفقه غية ومحبة نفسانية ، فالعبادة في حقه
أفضل ، بل ما بينهما أفعل تفضيل ، وهذا تقسيم في الجملة ، فقل - والله - من
رأيته مخلصا في طلب العلم ، دعنا من هذ كله . فليس طلب الحديث اليوم
على الوضع المتعارف من حيز طلب العلم ، بل اصطلاح وطلب أسانيد
عالية ، وأخذ عن شيخ لا يعي ، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم ، أو لرضيع
يبكي ، أو لفقيه يتحدث مع حدث ، أو آخر ينسخ . وفاضلهم مشغول عن
الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس ، والقارئ إن كان له مشاركة فليس عنده
من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء ، سواء تصحف عليه الاسم ، أو
اختبط المتن ، أو كان من الموضوعات . فالعلم عن هؤلاء بمعزل ، والعمل
لا أكاد أراه ، بل أرى أمورا سيئة . نسأل الله العفو .
هامش
( 1 ) في الأصل : " تنعت " ، والتصحيح من " تاريخ " المؤلف : 6 / 288 ، و " الحليلة " : 7 / 220