قال الوزير أبو عبيد الله : قال لي المنصور : ما كان أشياخك الشاميون
يقولون ؟ قلت : أدركتهم يقولون : إن الخليفة إذا استخلف ، غفر له ما مضى
من ذنوبه ، فقال : إي والله ، وما تأخر ( 1 ) . أتدري ما الخليفة ؟ به تقام الصلاة ،
والحج والجهاد [ ويجاهد العدو قال : فعدد من مناقب الخليفة ما لم أسمع
أحدا ذكر مثله ، وقال : والله ] ( 2 ) لو عرفت من حق الخلافة في دهر بني أمية ما
أعرف اليوم ، لأتيت الرجل منهم فبايعته ، فقال ابنه : أفكان الوليد منهم ؟
فقال : قبح الله الوليد . ومن أقعده خليفة ! قال : أفكان مروان منهم ؟ فقال : لله
دره ما كان أحزمه وأسوسه ، وأعفه عن الفئ . قال : فلم قتلتموه ؟ قال : للامر
الذي سبق في علم الله تعالى .
قال خليفة ( 3 ) : سار مروان لحرب المسودة ( 4 ) في مئة وخمسين ألفا ، حتى نزل
بقرب الموصل ، فالتقى هو وعبد الله بن علي عم المنصور ، في جمادى
الآخرة ، سنة اثنتين وثلاثين ومئة ، فانكسر جمع مروان وفر ، فاستولى عبد الله
على الجزيرة . ثم طلب الشام ، ففر مروان إلى فلسطين ، فلما سمع بأخذ
دمشق ، سار إلى مصر وطلب الصعيد ، ثم أدركوه وبيتوه ببوصير . فقاتل حتى
قتل .
وعاش اثنتين وستين سنة . قتل في ذي الحجة سنة اثنتين . وانتهت خلافة
بني أمية . وبويع السفاح قبل مقتل مروان الحمار بتسع أشهر .
ومن جبروت مروان ، أن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري الأمير ، كان قد
هامش
( 1 ) غفران ما سلف من الذنوب لا يكون بالاستخلاف ، وإنما يكون بالتوبة والإنابة ،
والعمل الصالح ، ومتابعة هدي الرسول صلى الله عليه وسلم . وأما غفران ما تأخر منها فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم
بمقتضى النص .
( 2 ) تاريخ الاسلام 5 / 299 ، والزيادة منه .
( 3 ) تاريخ خليفة 403 - 404 .
( 4 ) هم العباسيون ، وكان شعارهم السواد .