والله لا يراني أهل بيتي منهزما ، فإنا لكذلك إذ صمد ابنا سليمان بن علي
لإبراهيم ، فخرجا من خلفه . ولولا هما لافتضحنا . وكان من صنع الله أن
أصحابنا لما انهزموا عرض لهم نهر ، ولم يجدوا مخاضه فرجعوا . فانهزم أصحاب
إبراهيم ، وثبت هو في خمس مئة . وقيل : بل في سبعين . واشتد القتال ، وتطايرت
الرؤوس ، وحمي الحرب إلى أن جاء سهم غرب لا يعرف راميه في حلق
إبراهيم . فتنحى ، وأنزلوه وهو يقول : ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) [ الأحزاب :
38 ] . أردنا أمرا وأراد الله غيره . فحماه أصحابه . فأنكر حميد بن قحطبة
اجتماعهم . وحمل عليهم فانفرجوا عن إبراهيم . فنزل طائفة ، فاحتزوا رأسه ،
رحمه الله ، وأتي بالرأس إلى عيسى ، فسجد ، ونفذه إلى المنصور لخمس بقين من
ذي القعدة ، سنة خمس وأربعين وعاش ثمانيا وأربعين سنة . وقيل : كان عليه
زردية ( 1 ) فحسر من الحر عن صدره فأصيب . وكان قد وصل خلق من المنهزمين
إلى الكوفة ، وتهيأ المنصور ، وأعد السبق للهرب إلى الري . فقال له نوبخت ( 2 )
المنجم : الظفر لك . فما قبل منه ، فلما كان الفجر ، أتاه الرأس فتمثل بقول معقر
البارقي ( 3 ) :
فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر
قال خليفة : صلى إبراهيم العيد بالناس أربعا . وخرج معه أبو خالد الأحمر ،
وهشيم ، وعباد بن العوام ، وعيسى بن يونس ، ويزيد بن هارون ، ولم يخرج شعبة .
وكان أبو حنيفة يأمر بالخروج . قال : وحدثني من سمع حماد بن زيد يقول : ما
بالبصرة إلا من تغير أيام إبراهيم إلا ابن عون .
هامش
( 1 ) الزرد : حلق المغفر والدرع ، واليها هذه النسبة .
( 2 ) في الطبري " ينبخت " .
( 3 ) كما في " المؤتلف والمختلف " : 128 ، ونسبه الجاحظ في " البيان والتبيين " 3 / 40
إلى مضرس العبدي .