قالوا : فمن ؟ ففتحت الكتاب ، فإذا فيه : عمر بن عبد العزيز ، فتغيرت وجوه
بني عبد الملك ، فلما سمعوا : " وبعده يزيد " تراجعوا ، وطلب عمر فإذا هو في
المسجد ، فأتوه ، وسلموا عليه بالخلافة فعقر ( 1 ) ، فلم يستطع النهوض حتى
أخذوا بضبعيه ، فأصعدوه المنبر ، فجلس طويلا لا يتكلم ، فقال رجاء : ألا
تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه ، فنهضوا إليه ، ومد يده إليهم ، فلما مد
هشام بن عبد الملك يده إليه ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال عمر : نعم
إنا لله ، حين صار يلي هذه الأمة أنا وأنت ، ثم قام ، فحمد الله ، وأثنى عليه ،
وقال : أيها الناس ! إني لست بفارض ، ولكني منفذ ، ولست بمبتدع ،
ولكني متبع ، وإن من حولكم من الأمصار إن أطاعوا كما أطعتم ، فأنا واليكم ،
وإن هم أبوا فلست لكم بوال ، ثم نزل ، فأتاه صاحب المراكب ، فقال : لا
ائتوني بدابتي ، ثم كتب إلى عمال الأمصار . قال رجاء : كنت أظن أنه
سيضعف ، فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى .
قال عمرو بن مهاجر : صلى عمر المغرب ، ثم صلى على سليمان .
قال ابن إسحاق : مات سليمان يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين .
قال خالد بن مرداس ، حدثنا الحكم بن عمر ، شهدت عمر بن عبد العزيز
حين جاءه أصحاب مراكب الخلافة يسألونه العلوفة ورزق خدمها ، قال : ابعث
بها إلى أمصار الشام يبيعونها ، واجعل أثمانها في مال الله ، تكفيني بغلتي هذه
الشهباء .
وعن الضحاك بن عثمان قال : لما انصرف عمر بن عبد العزيز عن قبر
سليمان ، قدموا له مراكب سليمان ، فقال :
هامش
( 1 ) العقر بفتحتين : أن يفجأه الروع ، فلا يقدر أن يتقدم أو يتأخر دهشا ، وبابه طرب ومنه
قول عمر رضي الله عنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أبو بكر فتلا * ( إنك ميت وإنهم ميتون ) * : فعقرت
حتى خررت إلى الأرض .