فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته ، رأيته قد فسح له مد بصري ، فأخبرت
بذلك أصحابي ، فلم يروا ما رأيت .
قال أبو عمرو بن العلاء : توفي الأحنف في دار عبيد الله بن أبي
غضنفر ، فلما دلي في حفرته ، أقبلت بنت لأوس السعدي وهي على راحلتها
عجوز ، فوقفت عليه ، وقالت : من الموافى به حفرته لوقت حمامه ؟ قيل لها :
الأحنف بن قيس . قالت : والله لئن كنتم سبقتمونا إلى الاستمتاع به في حياته
لا تسبقونا إلى الثناء عليه بعد وفاته . ثم قالت : لله درك من مجن في جنن ،
ومدرج في كفن ، وإنا لله وإنا إليه راجعون : نسأل من ابتلانا بموتك ، وفجعنا
بفقدك أن يوسع لك في قبرك ، وأن يغفر لك يوم حشرك . أيها الناس ، إن
أولياء الله في بلاده هم شهوده على عباده ، وإنا لقائلون حقا ، ومثنون صدقا ،
وهو أهل لحسن الثناء ، أما والذي كنت من أجله في عدة ، ومن الحياة في
مدة ، ومن المضمار إلى غاية ، ومن الآثار إلى نهاية ، الذي رفع عملك عند
انقضاء أجلك ، لقد عشت مودودا حميدا ، ومت سعيدا فقيدا ، ولقد كنت
عظيم الحلم ، فاضل السلم ، رفيع العماد ، واري الزناد ، منيع الحريم ،
سليم الأديم ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد ( 1 ) .
قال قرة بن خالد : حدثنا أبو الضحاك أنه أبصر مصعبا يمشي في جنازة
الأحنف بغير رداء .
قال الفسوي : مات الأحنف سنة سبع وستين . وقال غيره : توفي سنة
إحدى وسبعين . وقال جماعة : مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق
رحمه الله .
هامش
( 1 ) الخبر في تاريخ ابن عساكر 8 / 225 آ ، وزاد فيه : " . . ولقد كنت في المحافل شريفا
وعلى الأرامل عطوفا ، ومن الناس قريبا ، وفيهم غريبا ، وإن كنت فيهم مسودا وإلى الخلفاء لموفدا ،
وإن كانوا لقولك لمستمعين ، ولرأيك لمتبعين ، رحمنا الله وإياك " اه .