وكان من رجال قريش رأيا ، ودهاء ، وحزما ، وكفاءة ، وبصرا
بالحروب ، ومن أشراف ملوك العرب ، ومن أعيان المهاجرين ، والله يغفر له
ويعفو عنه ، ولولا حبه للدنيا ودخوله في أمور ، لصلح للخلافة ، فإن له سابقة
ليست لمعاوية . وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر ، لبصره بالأمور
ودهائه .
ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد مولى حبيب ،
عن حبيب بن أوس ، قال : حدثني عمرو بن العاص قال : لما انصرفنا من
الخندق ، جمعت رجالا من قريش ، فقلت : والله إن أمر محمد يعلو علوا
منكرا ، والله ما يقوم له شئ ، وقد رأيت رأيا ، قالوا : وما هو ؟ قلت : أن
نلحق بالنجاشي على حاميتنا ، فإن ظفر قومنا ، فنحن من قد عرفوا ،
نرجع إليهم ، وإن يظهر محمد ، فنكون تحت يدي النجاشي أحب إلينا من
أن نكون تحت يدي محمد . قالوا : أصبت . قلت : فابتاعوا له هدايا ،
وكان من أعجب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا له أدما كثيرا ، وقدمنا
عليه ، فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري ، قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جعفر
وأصحابه ، فلما رأيته ، قلت : لعلي أقتله . وأدخلت الهدايا ، فقال : مرحبا
وأهلا بصديقي ، وعجب بالهدية . فقلت : أيها الملك ! إني رأيت رسول
محمد عندك ، وهو رجل قد وترنا ، وقتل أشرافنا ، فأعطنيه أضرب عنقه ،
فغضب ، وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت لي الأرض
دخلت فيها ، وقلت : لو ظننت أنك تكره هذا لم أسألكه . فقال : سألتني أن
أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس ( 1 ) الذي ؟ ؟ يأتي موسى الأكبر تقتله ؟ !
فقلت : وإن ذاك لكذلك ؟ قال : نعم . والله إني لك ناصح فاتبعه ، فوالله
هامش
( 1 ) الناموس : جبريل عليه السلام ، وكذا ؟ ؟ أهل الكتاب . وفي حديث ورقة لخديجة
رضي الله عنها : إن كان ما تقولين حقا ، فإنه ليأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلام .