ومن عجب أني لدى البحر واقف * وأشكو الظما والبحر جم عجائبه
وغير ملوم من يؤمك قاصدا * إذا عظمت أغراضه ومذاهبه
فوقعت الأبيات من الخليفة بموقع ، وأدخل ليلا ، ووانسه وذاكره ،
وأخرج سرا رعاية لخاطر الكامل . ثم حضر الناصر درس المستنصرية ،
فبحث وناظر والخليفة في منظرته ، فقام الوجيه القيرواني ومدح الخليفة
بأبيات منها :
لو كنت في يوم السقيفة حاضرا * كنت المقدم والامام الأورعا
فقال الناصر : أخطأت ، قد كان العباس جد أمير المؤمنين حاضرا ولم
يكن المقدم إلا أبو بكر الصديق ، فأمر بنفي الوجيه فسافر وولي بمصر
تدريسا ، ثم خلعوا على الناصر وحاشيته ، وجاء معه رسول الديوان فألبسه
الخلعة بالكرك ، وركب بالنسجق الخليفتي وزيد في لقبه : " الولي
المهاجر " ، ثم راسله الكامل والأشرف لما اختلفا ، وطلب كل منهما أن
يؤازره ، وجاءه في الرسلية من مصر القاضي الأشرف فرجع جانب الكامل ،
ثم توجه إليه فبالغ في تعظيمه وأعاد إلى عصمته ابنته عاشوراء وأركبه في دست
السلطنة ، فحمل له الغاشية الملك العادل ولد الكامل ووعده بأخذ دمشق
من الأشرف وردها إليه .
ولما مات الكامل بدمشق ما شك الناس أن الناصر يملكها ، فلو بذل
ذهبا لاخذها ، فسلطنوا الجواد ، ففارق الناصر البلد وسار إلى عجلون ،
وندم فجمع وحشد واستولى على كثير من الساحل ، فالتقاه الجواد بقرب
جنين فانكسر الناصر وذهبت خزائنه ، وطلع إلى الكرك . ثم إن الجواد تماهن
وأعطى دمشق للصالح ، وجرت أمور وظفر الناصر بالصالح ، وبقي في قبضته
أشهرا ، ثم ذهب معه على عهود ومواثيق فملكه مصر ولم يف له الصالح عجزا
سير أعلام النبلاء — صفحة 379
مساهمون: الذهبي
ص٣٧٩