قاصدوه ، وجاءه رسول جنكزخان يطلب الهدنة يقول : إن القان الأعظم
يسلم عليك ويقول : ما يخفى علي عظم سلطانك وأنت كأعز أولادي وأنا بيدي
ممالك الصين ، فاعقد بيننا المودة ، وتأذن للتجار وتنعمر البلاد ، فقال
السلطان لمحمود الخوارزمي الرسول : أنت منا وإلينا ، وأعطاه جواهر وطلب
أن يكون مناصحا له فأجابه ، فقال : اصدقني ، تملك جنكزخان طمغاج ؟
قال : نعم ، قال : فما المصلحة ؟ قال : الصلح . فأجاب . فأعجب ذلك جنكز
خان ومشى الحال . ثم جاء من جهة التتار تجار فشرهت نفس خال السلطان
متولي ما وراء النهر إلى أخذ أموالهم ، وقبض عليهم وظنهم جواسيس للتتار ،
فجاء رسول جنكزخان يقول : إنك أمنت تجارنا والغدر قبيح ، فإن قلت : فعله
خالي فسلمه إلينا وإلا سترى مني ما تعرفني به ، فحارت نفس خوارزم شاه ،
وتجلد ، وأمر بقتل الرسل ، فيا بئس ما صنع ، وحصن سمرقند وشحنها
بالمقاتلة فما نفع ، وقضي الامر .
ودخلت سنة 616 : فتقهقر خوارزم شاه ، وأقبلت المغل كالليل
المظلم ، وما زال أمر خوارزم شاه في إدبار ، وسعده في سفال ، وملكه في
زوال ، وهو في تقهقر واندفاع إلى أن قارب همذان ، وتفرق عنه جمعه ، حتى
بقي في عشرين ألفا ، فما بلغ ريقه إلا وطلائع المغل قد أظلته ، وأحدقوا
به ، فنجا بنفسه ، واستحر القتل بجنده ، وفر إلى الجبل ، ثم إلى
مازندران ، ونزل بمسجد على حافة البحر يصلي بجماعة ويتلو ويبكي ، ثم
بعد أيام كبسه العدو ، فهرب في مركب صغير ، فوصل إليه نشابهم وخاض
وراءه طائفة ، فبقي في لجة ، ومرض بذات الجنب ، فقال : سبحان الله ما
بقي لنا من مملكتنا قدر ذراعين ندفن فيها ، فوصل إلى جزيرة فأقام بها طريدا
وحيدا مجهودا ، ومات فكفنه فراشه في عمامته سنة سبع عشرة وست مئة .
سير أعلام النبلاء — صفحة 233
مساهمون: الذهبي
ص٢٣٣