الأولياء ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن
يلهمه ذكره " فقلت بهذا : إن إلهام الذكر أفضل من الكرامات ، وأفضل
الذكر ما يتعدى إلى العباد ، وهو تعليم العلم والسنة ، وأعظم من ذلك
وأحسن ما كان جبلة ( 1 ) وطبعا ، كالحلم والكرم والعقل والحياء ، وكان الله
قد جبله على خلق شريف ، وأفرغ عليه المكارم إفراغا ، وأسبغ عليه النعم ،
ولطف به في كل حال .
قال الضياء : كان الموفق لا يناظر أحدا الا وهو يتبسم .
قلت : بل أكثر من عاينا لا يناظر أحدا إلا وينسم ( 2 ) .
وقيل : إن الموفق ناظر ابن فضلان الشافعي الذي كان يضرب به المثل
في المناظرة فقطعه .
وبقي الموفق يجلس زمانا بعد الجمعة للمناظرة ، ويجتمع إليه
الفقهاء ، وكان يشغل ( 3 ) إلى ارتفاع النهار ، ومن بعد الظهر إلى المغرب ،
ولا يضجر ، ويسمعون عليه ، وكان يقرئ في النحو ، وكان لا يكاد يراه أحد
إلا أحبه . إلى أن قال الضياء : وما علمت أنه أوجع قلب طالب ، وكانت له
جارية تؤذيه بخلقها فما يقول لها شيئا ، وأولاده يتضاربون وهو لا يتكلم .
وسمعت ( 4 ) البهاء يقول : ما رأيت أكثر احتمالا منه .
هامش
( 1 ) الجبلة : الخلقة ، ومنه قوله تعالى : ( والجبلة الأولين ) ( الشعراء : 184 ) .
( 2 ) من السم - بفتح السين وضمها - وهو نتيجة لما كان يراه الذهبي بين أهل عصره من
الضيق بالمناظرة العلمية .
( 3 ) الاشغال : التدريس ، وهو غير " الاشتغال " بمعنى الطلب ، وهذه اصطلاحات معروفة
عند المتأخرين .
( 4 ) السماع للضياء ، هو والذي بعده من الحكايات .