قال المفصل الغلابي : زهاد الأنصار ثلاثة : أبو الدرداء ، وعمير بن
سعد ، وشداد بن أوس .
علي بن المديني : حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن رجل ، عن
مطرف بن الشخير ، عن رجل أحسبه من بني مجاشع قال : انطلقنا نؤم
البيت ، فإذا نحن بأخبية بينها فسطاط ; فقلت لصاحبي : عليك بصاحب
الفسطاط ، فإنه سيد القوم . فلما انتهينا إلى باب الفسطاط ، سلمنا . فرد
السلام . ثم خرج إلينا شيخ . فلما رأيناه ، هبناه مهابة لم نهبها والدا قط ولا
سلطانا . فقال : ما أنتما ؟ قلنا : فتية تؤم البيت . قال : وأنا قد حدثتني
نفسي بذلك ، وسأصحبكم ، ثم نادى . فخرج إليه من تلك الأخبية شباب !
فجمعهم ، ثم خطبهم ، وقال : إني ذكرت بيت ربي ، ولا أراني إلا زائره .
فجعلوا ينتحبون عليه بكاء . فالتفت إلى شاب منهم . فقلت : من هذا
الشيخ ؟ قال : شداد بن أوس ، كان أميرا ، فلما أن قتل عثمان ، اعتزلهم .
قال : ثم دعا لنا بسويق ، فجعل يبس ( 1 ) لنا ، ويطعمنا ويسقينا .
ثم خرجنا معه ; فلما علونا في الأرض ، قال لغلام له : اصنع لنا طعاما
يقطع عنا الجوع يصغره كلمة قالها ; فضحكنا . فقال : ما أراني إلا
مفارقكما . قلنا : رحمك الله ، إنك كنت لا تكاد تتكلم بكلمة ، فلما
تكلمت ، لم نتمالك أن ضحكنا . فقال : أزودكما حديثا كان رسول الله
يعلمنا في السفر والحضر . فأملى علينا ، وكتبناه :
" اللهم ، إني أسألك الثبات في الامر ، وأسألك عزيمة الرشد ،
وأسألك شكر نعمتك ، وحسن عبادتك ، وأسألك يقينا صادقا ، وقلبا
هامش
( 1 ) يقال : بس السويق والدقيق وغيرهما يبسه بسا : خلطه بسمن أو زيت ، وهي البسيسة .
سير 2 / 30