مئة ، فحاصرته جيوش البربر مع سليمان المستعين مدة ، واتصل ذلك إلى
شوال سنة ثلاث وأربع مئة ، فدخل البربر قرطبة بالسيف ، وقتل المؤيد
بالله . وقرأت بخط أبي الوليد بن الحاج : أن طائفة وثبوا على المهدي ،
فقتلوه ، وأخرجوا المؤيد بالله ، فطير عنبر رأس المهدي بين يدي المؤيد ،
وسكن الناس ، وكتب المؤيد إلى البربر ليدخلوا في الطاعة ، فأبوا ، وصار
يركب ويظهر ، فهابه الناس ، وعاثت البربر ، وعملت ما لا يعمله مسلم ،
ونازلوا قرطبة سنة اثنتين وأربع مئة ، واشتد القحط والبلاء ، وفني الناس ،
ودخل البربر بالسيف في سنة ثلاث ، فقتلوا حتى الولدان ، وهرب الخلق ،
وهرب المؤيد بالله إلى المشرق ، فحج ، ولقد تصرف في الدنيا عزيزا
وذليلا ، والعزة لله جميعا ( 1 ) .
وقال غيره : أما المؤيد ، فانقطع خبره ، ونسي ذكره .
وقال عزيز في " تاريخ القيروان " : إن المؤيد بالله هرب بنفسه من
قرطبة ، فلم يزل فارا ومستخفيا حتى حج ، وكان معه كيس جوهر ، فشعر به
حرابة مكة ، فأخذوه منه ، فمال إلى ناحية من الحرم ، وأقام يومين لم يطعم
طعاما ، فأتى المروة ، فلقيه رجل ، فقال له : تحسن تجبل الطين ؟ قال :
نعم . فذهب به ، فلم يحسن الجبل ، وشارط على درهم ورغيف ، فقال :
عجل القرص ، فإني جائع . فأتاه به ، فأكله ، وعمل حتى تعب ، وهرب ،
وخرج مع الركب إلى الشام في أسوأ حال ، فقدم القدس ، فمشى ، فرأى
رجلا يعمل الحصر ، فنظر إليه الرجل ، فقال : من أنت ؟ قال غريب .
قال : تحسن هذه الصنعة ؟ قال : لا . قال : فتكون عندي تناولني
هامش
( 1 ) انظر " الكامل " لابن الأثير 9 / 216 - 219 .