تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير أعلام النبلاء — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
سيدي إنك لتغرر بخروجك ، وأنت أعظم الحكام ، وفي الناس المحكوم عليه والرقيق الدين ، فقال : يا أخي وأنى لي بمثل هذه المنزلة ؟ وأنى لي بالشهادة ، ما أخرج تعرضا للتغرر ، بل أخرج متوكلا على الله إذ أنا في ذمته ، فاعلم أن قدره لا محيد عنه ، ولا وزر دونه . قال الحسن بن محمد : قحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر ، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس ، فصام أيام وتأهب ، واجتمع الخلق في مصلى الربض ، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع ، فأبطأ منذر ، ثم خرج راجلا متخشعا ، وقام ليخطب ، فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال : سلام عليكم ، ثم سكت شبه الحسير ، ولم يكن عادته ، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ، ثم اندفع ، فقال : ( سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة ) الآية [ الانعام : 54 ] استغفروا ربكم وتوبوا إليه ، وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه ، فضج الناس بالبكاء ، وجأروا بالدعاء والتضرع ، وخطب فأبلغ ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم . واستسقى مرة ، فقال يهتف بالخلق : ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ) الآيتين [ فاطر : 15 - 16 ] فهيج الخلق على البكاء . قال : وسمعت من يذكر أن رسول الناصر جاءه للاستسقاء ، فقال للرسول : ها أنا سائر ، فليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة في يومنا هذا ؟ فقال : ما رأيته قط أخشع منه في يومه هذا ، إنه منفرد بنفسه ، لا بس أخشن الثياب ، مفترش التراب ، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه ، يقول : رب هذه ناصيتي بيدك . أتراك تعذب الرعية وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم ، أن