سيدي إنك لتغرر بخروجك ، وأنت أعظم الحكام ، وفي الناس المحكوم
عليه والرقيق الدين ، فقال : يا أخي وأنى لي بمثل هذه المنزلة ؟ وأنى لي
بالشهادة ، ما أخرج تعرضا للتغرر ، بل أخرج متوكلا على الله إذ أنا في ذمته ،
فاعلم أن قدره لا محيد عنه ، ولا وزر دونه .
قال الحسن بن محمد : قحط الناس في بعض السنين آخر مدة
الناصر ، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس ، فصام
أيام وتأهب ، واجتمع الخلق في مصلى الربض ، وصعد الناصر في أعلى
قصره ليشاهد الجمع ، فأبطأ منذر ، ثم خرج راجلا متخشعا ، وقام
ليخطب ، فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال : سلام
عليكم ، ثم سكت شبه الحسير ، ولم يكن عادته ، فنظر الناس بعضهم
إلى بعض لا يدرون ما عراه ، ثم اندفع ، فقال : ( سلام عليكم ، كتب
ربكم على نفسه الرحمة ) الآية [ الانعام : 54 ] استغفروا ربكم وتوبوا إليه ،
وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه ، فضج الناس بالبكاء ، وجأروا بالدعاء
والتضرع ، وخطب فأبلغ ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم .
واستسقى مرة ، فقال يهتف بالخلق : ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى
الله ) الآيتين [ فاطر : 15 - 16 ] فهيج الخلق على البكاء .
قال : وسمعت من يذكر أن رسول الناصر جاءه للاستسقاء ، فقال
للرسول : ها أنا سائر ، فليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة في يومنا هذا ؟
فقال : ما رأيته قط أخشع منه في يومه هذا ، إنه منفرد بنفسه ، لا بس أخشن
الثياب ، مفترش التراب ، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه ، يقول : رب هذه
ناصيتي بيدك . أتراك تعذب الرعية وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم ، أن
سير أعلام النبلاء — صفحة 176
مساهمون: الذهبي
ص١٧٦