كان فقيها محققا ، وخطيبا بليغا مفوها ، له اليوم المشهور الذي ملا فيه
الآذان ، وبهر العقول ، وذلك أن المستنصر بالله . كان مشغوفا بأبي علي
القالي ، يؤهله لكل مهم ، فلما ورد رسول الروم أمره أن يقوم خطيبا على
العادة الجارية ، فلما شاهد أبو علي الجمع العظيم جبن فلم تحمله رجلاه ،
ولا ساعده لسانه ، وفطن له منذر بن سعيد ، فوثب في الحال ، وقام مقامه ،
وارتجل خطبة بديعة ، فأبهت الخلق ، وأنشد في آخرها لنفسه :
هذا المقال الذي ما عابه فند * لكن صاحبه أزرى به البلد
لو كنت فيهم غريبا كنت مطرفا * لكنني منهم فاغتالني النكد
لولا الخلافة أبقى الله بهجتها * ما كنت أبقى بأرض ما بها أحد
فاستحسنوا ذلك ، وصلب الرسول ، وقال : هذا كبش رجال
الدولة ( 1 ) .
ومن تصانيفه : كتاب " الانباه عن الاحكام من كتاب الله " وكتاب
" الإبانة عن حقائق أصول الديانة " .
قال ابن بشكوال في بعض كتبه : منذر بن سعيد خطيب بليغ
مصقع ( 2 ) ، لم يكن بالأندلس أخطب منه ، مع العلم البارع ، والمعرفة
الكاملة ، واليقين في العلوم ، والدين ، والورع ، وكثرة الصيام ، والتهجد ،
والصدع بالحق . كان لا تأخذه في الله لومة لائم ، وقد استسقى غير مرة ،
فسقي .
ذكر أمير المؤمنين الحكم ، فقال : كان فقيها ، فصيحا ، خطيبا ، لم
هامش
( 1 ) الخبر بنحو في " معجم الأدباء " 19 / 175 ، و " نفخ الطيب " : 1 / 372 - 374 .
( 2 ) الخطيب المصقع : البليغ الماهر في خطبته ، وهو " مفعل " من الصقع ، ومعناه :
رفع الصوت ومتابعته ، ومفعل : من أبنية المبالغة . " لسان العرب " مادة : صقع .