خزيمة ، فقام الزاهد أبو عثمان الحيري ، وجمع المحدثين في مسجده ،
وعلق بيده محبرة وتقدمهم ، إلى أن جاء إلى خان محمش ، فأخرج السري
وأجلس المستملي ، فحزرناه مجلسه زيادة على ألف محبرة ، فلما فرغ قاموا
وقبلوا رأس أبي عثمان ، ونثر الناس عليهم الدراهم والسكر سنة ثلاث
وسبعين ومئتين .
قلت : ذكر الحاكم أخبار أبي عثمان [ في ] خمس وعشرين ورقة ، وفي
غضون ذلك من كلامه في التوكل واليقين والرضي ، قال الحاكم : وسمعت
أبي يقول : لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني الذي استولى على
البلاد الام أم حيكان ( 1 ) بن الذهلي ، أخذ في الظلم والعسف ، وأمر بحربة
ركزت على رأس المربعة ( 2 ) ، وجمع الأعيان ، وحلف : إن لم يصبوا الدراهم
حتى يغيب رأس الحربة ، فقد أحلوا دماءهم ، فكانوا يقتسمون الغرامة
بينهم ، فخص تاجر بثلاثين ألف درهم ، فلم يكن يقدر إلا على ثلاثة آلاف
درهم ، فحملها إلى أبي عثمان وقال : أيها الشيخ ! قد حلف هذا كما
بلغك ، ووالله لا أهتدي إلا إلى هذه ، قال : تأذن لي أن أفعل فيها ما ينفعك ؟
قال : نعم ، ففرقها أبو عثمان ، وقال للتاجر : امكث عندي . وما زال أبو
عثمان يتردد بين السكة والمسجد ليلته حتى أصبح ، وأذن المؤذن ، ثم قال
لخادمه : اذهب إلى السوق ، وانظر ماذا تسمع ، فذهب ، ورجع فقال : لم
أر شيئا ، قال : اذهب مرة أخرى ، وهو في مناجاته يقول : وحقك لا أقمت ما
لم تفرج عن المكروبين ، قال : فأتى خادمه الفرغاني يقول : وكفى الله
هامش
( 1 ) انظر التعليق رقم ( 1 ) من الصفحة 36 .
( 2 ) في " اللسان " : " والمربعة : خشيبة قصيرة يرفع بها العدل . . وقال الأزهري :
هي عصا تحمل بها الأثقال حتى توضع على ظهر الدواب " .