وقيل : إنه سار لتلقي أبي عبد الله الشيعي ، فقال له : يا شيخ ! بم
كنت تقضي ؟ فقال إبراهيم بن يونس : بالكتاب والسنة . قال : فما السنة ؟
قال : السنة السنة . قال ابن الحداد : فقلت للشيعي : المجلس مشترك أم
خاص ؟ قال : مشترك . فقلت : أصل السنة في كلام العرب المثال ، قال
الشاعر :
تريك سنة وجه غير مقرفة * ملساء ليس بها خال ولا ندب ( 1 )
أي صورة وجه ومثاله . والسنة محصورة في ثلاث : الائتمار بما أمر به
النبي صلى الله عليه وسلم ، والانتهاء عما نهى عنه ، والائتساء بما فعل . فقال الشيعي : فإن
اختلف عليك النقل ، وجاءت السنة من طرق ؟ قلت : أنظر إلى أصح
الخبرين ، كشهود عدول اختلفوا في شهادة ، قال : فلو استووا في الثبات ؟
قلت : يكون أحدهما ناسخا للآخر . قال : فمن أين قلتم بالقياس :
( لعلمه الذين يستنبطونه ) [ النساء : 83 ] والاستنباط غير منصوص . ثم عطف
على موسى القطان فقال : أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله ، تقول :
اضربوه بالأردية وبالأيدي ثم بالجريد ؟ ( 2 ) . فقلت أنا : إنما حد قياسا على
حد القاذف ، لأنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) البيت لذي الرمة ، وهو في ديوانه ص 8 من قصيدته التي مطلعها :
ما بال عينك منها الماء ينسكب * كأنه من كلي مفرية سرب
وقوله : سنة وجه : أي صورة وجه . والندب : الأثر من الجراح .
( 2 ) ثبت ذلك من حديث أنس عند البخاري : 12 / 54 في الحدود : باب ما جاء في
ضرب شارب الخمر ، ومسلم ( 1706 ) في الحدود : باب حد الخمر ، من طريق شعبة ، عن
قتادة ، عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبو بكر أربعين " .
( 3 ) أخرجه مالك : 2 / 55 في الأشربة : باب الحد في الخمر ، وعنه الشافعي :
2 / 304 من طريق ثور بن زيد الديلي " أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل ،
فقال له علي : نرى أن نجلده ثمانين ، فإنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هدى
افترى أو كما قال فجلد عمر في الخمر ثمانين " .
قال الحافظ في " تلخيص الحبير " 4 / 75 : وهو منقطع ، لان ثورا لم يلحق عمر بلا
خلاف ، لكن وصله النسائي في " الكبرى " ، والحاكم : 4 / 375 من وجه آخر عن ثور ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس . ورواه عبد الرزاق ( 13542 ) عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة
ولم يذكر ابن عباس . وفي صحته نظر لما ثبت في " الصحيحين " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد
في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبو بكر أربعين ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال عبد
الرحمن : أخف الحدود ثمانون ، فأمر به عمر . ولا يقال : يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي
أشارا بذلك جميعا ، لما ثبت في صحيح مسلم ( 1707 ) ( 38 ) من طريق حضين بن
المنذر أبي ساسان قال : شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم
قال : أزيدكم ؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران : أنه شرب الخمر ، وشهد آخر : أنه رآه
يتقيأ . فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها . فقال : يا علي قم فاجلده . فقال علي : قم يا
حسن فاجلده . فقال الحسن : ول حارها من تولى قارها كأنه وجد عليه فقال : يا عبد الله
ابن جعفر قم فاجلده ، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين . فقال : أمسك . ثم قال : جلد النبي
صلى الله عليه وسلم أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين . وكل سنة ، وهذا أحب إلي " .