تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير أعلام النبلاء — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
قلت : ما زلنا نسمع بهذا " التفسير " الكبير لأحمد على ألسنة الطلبة ، وعمدتهم حكاية ابن المنادي هذه ، وهو كبير قد سمع من جده وعباس الدوري ، ومن عبد الله بن أحمد ، لكن ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا " التفسير " ، ولا بعضه ولا كراسة منه ، ولو كان له وجود ، أو لشئ منه لنسخوه ، ولاعتنى بذلك طلبة العلم ، ولحصلوا ذلك ، ولنقل إلينا ، ولاشتهر ، ولتنافس أعيان البغداديين في تحصيله ، ولنقل منه ابن جرير فمن بعده في تفاسيرهم ، ولا - والله - يقتضي أن يكون عند الإمام أحمد في التفسير مئة ألف وعشرون ألف حديث ، فإن هذا يكون في قدر " مسنده " ، بل أكثر بالضعف ، ثم الإمام أحمد لو جمع شيئا في ذلك ، لكان يكون منقحا مهذبا عن المشاهير ، فيصغر لذلك حجمه ، ولكان يكون نحوا من عشرة آلاف حديث بالجهد ، بل أقل . ثم الإمام أحمد كان لا يرى التصنيف ، وهذا كتاب " المسند " له لم يصنفه هو ، ولا رتبه ، ولا اعتنى بتهذيبه ، بل كان يرويه لولده نسخا وأجزاءا ، ويأمره : أن ضع هذا في مسند فلان ، وهذا في مسند فلان ، وهذا " التفسير " لا وجود له ، وأنا أعتقد أنه لم يكن ، فبغداد لم تزل دار الخلفاء ، وقبة الاسلام ، ودار الحديث ، ومحلة السنن ولم يزل أحمد فيها معظما في سائر الأعصار ، وله تلامذة كبار ، وأصحاب أصحاب ، وهلم جرا إلى بالأمس ، حين استباحها جيش المغول ( 1 ) ، وجرت بها من الدماء سيول ، وقد اشتهر ببغداد " تفسير " ابن جرير ، وتزاحم على تحصيله العلماء ، وسارت به الركبان ، ولم نعرف مثله في معناه ، ولا ألف قبله أكبر منه ، وهو في عشرين مجلدة ، وما يحتمل أن يكون عشرين ألف حديث ، بل لعله خمسة عشر ألف إسناد ، فخذه ، فعده إن شئت .
هامش
( 1 ) كان سقوط بغداد أمام المغول بقيادة هولاكو ، سنة ( 656 ه‍ ) . وكان آخر الخلفاء العباسيين فيها : المستعصم بالله ، عبد الله بن المستنصر منصور بن محمد .
سير أعلام النبلاء — صفحة 522 | الذهبي / شعيب الأرنؤوط