غدا علي ، فقال : مر بنا إلى المشايخ . قلت : أنا ضعيف لا يمكنني .
قال : ما ضعفك ؟ قلت : لا أكتمك [ أمري ، قد ] مضى يومان ما طعمت
فيهما شيئا ، قفال : قد بقي معي دينار ، فنصفه لك ، ونجعل النصف الآخر
في الكراء ، فخرجنا من البصرة ، وأخذت منه النصف دينار ( 1 ) .
وسمعت أبي يقول : خرجنا من المدينة ، من عند داود الجعفري ،
وصرنا إلى الجار وركبنا البحر ، فكانت الريح في وجوهنا ، فبقينا في البحر
ثلاثة أشهر ، وضاقت صدورنا ، وفني ما كان معنا ( 2 ) ، وخرجنا إلى البر
نمشي أياما ، حتى فني ما تبقى معنا من الزاد والماء ، فمشينا يوما لم نأكل ولم
نشرب ، ويوم الثاني كمثل ، ويوم الثالث ، فلما كان يكون المساء صلينا ،
وكنا نلقي بأنفسنا [ حيث كنا ] ، فلما أصبحنا في اليوم الثالث ، جعلنا نمشي
على قدر طاقتنا ، وكنا ثلاثة أنفس : شيخ نيسابوري ، وأبو زهير
المروروذي ، فسقط الشيخ مغشيا عليه ، فجئنا نحركه وهو لا يعقل ،
فتركناه ، ومشينا قدر فرسخ ، فضعفت ، وسقطت مغشيا علي ، ومضى
صاحبي يمشي ، فبصر من بعد قوما ، قربوا سفينتهم من البر ، ونزلوا على بئر
موسى ، فلما عاينهم ، لوح بثوبه إليهم ، فجاؤوه معهم ماء في إداوة ( 3 ) .
فسقوه وأخذوا بيده ، فقال لهم : الحقوا رفيقين لي ، فما شعرت إلا برجل
يصب الماء على وجهي ، ففتحت عيني ، فقلت : اسقني ، فصب من الماء
في مشربة قليلا ، فشربت ، ورجعت إلي نفسي ، ثم سقاني قليلا ، وأخذ
بيدي ، فقلت : ورائي شيخ ملقى ، فذهب جماعة إليه ، وأخذ بيدي ، وأنا
هامش
( 1 ) انظر : الجرح والتعديل : 1 / 363 - 364 . والزيادة منه .
( 2 ) أضاف هنا في " الجرح " : " من الزاد ، وبقيت بقية " .
( 3 ) الإداوة : المطهرة ، وهي إناء صغير يحمل فيه الماء .