التمزق ولا الوصال بل ولا صوم الدهر ، ودين الاسلام يسر وحنيفية سمحة ،
فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه ، كما قال تعالى ، * ( لينفق ذو سعة من
سعته ) * [ الطلاق : 7 ] وقد كان النساء أحب شئ إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ( 1 ) ،
وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك ، وهو
أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى . ثم العابد العري من العلم ، متى زهد
وتبتل وجاع ، وخلا بنفسه ، وترك اللحم والثمار ، واقتصر على الدقة
والكسرة ، صفت حواسه ولطفت ، ولازمته خطرات النفس ، وسمع
خطابا يتولد من الجوع والسهر ، لا وجود لذلك الخطاب - والله - في
الخارج ، وولج الشيطان في باطنه وخرج ، فيعتقد أنه قد وصل ، وخوطب
وارتقى ، فيتمكن منه الشيطان ، ويوسوس له ، فينظر إلى المؤمنين بعين
الازدراء ، ويتذكر ذنوبهم ، وينظر إلى نفسه بعين الكمال ، وربما آل به الامر
إلى أن يعتقد أنه ولي ، صاحب كرامات وتمكن ، وربما حصل له شك ،
وتزلزل إيمانه . فالخلوة والجوع أبو جاد الترهب ، وليس ذلك من شريعتنا
في شئ . بلى ، السلوك ، الكامل هو الورع في القوت ، والورع في
المنطق ، وحفظ اللسان ، وملازمة الذكر ، وترك مخالطة العامة ، والبكاء
على الخطيئة ، والتلاوة بالترتيل والتدبر ، ومقت النفس وذمها في ذات
الله ، والاكثار من الصوم المشروع ، ودوام التهجد ، والتواضع للمسلمين ،
وصلة الرحم ، والسماحة وكثرة البشر ، والانفاق مع الخصاصة ، وقول الحق
المر برفق وتؤدة ، والامر بالعرف ، والاخذ بالعفو ، والاعراض عن
الجاهلين ، والرباط بالثغر ، وجهاد العدو ، وحج البيت ، وتناول الطيبات
هامش
( 1 ) أخرج أحمد 2 / 128 و 199 و 285 ، والنسائي 7 / 61 من حديث أنس بن مالك
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حبب إلي من الدنيا النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في
الصلاة " . وسنده حسن ، وصححه الحاكم 2 / 160 ، ووافقه الذهبي .