قال أبو بكر بن المقرئ : حدثنا محمد بن بكر الشعراني بالقدس ،
حدثنا أحمد بن سهل الهروي قال : كنت ساكنا في جوار بكار بن قتيبة ،
فانصرفت بعد العشاء ، فإذا هو يقرأ : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في
الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) *
الآية : 26 ] قال : ثم نزلت في السحر ، فإذا هو يقرؤها ، ويبكي ،
فعلمت أنه كان يتلوها من أول الليل .
قال محمد بن يوسف الكندي : قدم بكار قاضيا إلى أن توفي ،
فأقامت مصر بلا قاض بعده سبع سنين ، ثم ولى خمارويه محمد بن عبدة
القضاء . قال : وكان أحمد بن طولون أراد بكارا على لعن الموفق ،
يعني : ولي العهد ، فامتنع ، فسجنه ، إلى أن مات أحمد بن طولون ،
فأطلق القاضي بكار ، وبقي يسيرا ومات ، فغسل ليلا ، وكثر الناس ، فلم
يدفن إلى العصر .
قلت : كان عظيم الحرمة ، وافر الجلالة ، من العلماء العاملين ،
كان السلطان ينزل إليه ، ويحضر مجلسه ، فذكر أبو جعفر الطحاوي أن بكار
ابن قتيبة استعظم فسخ حكم الحارث بن مسكين في قضية ابن السائح ،
يعني لما حكم عليه ، فأخرج من يده دار الفيل ، وتوجه ابن السائح إلى
العراق بغوث على ابن مسكين . قال الطحاوي : وكان الحارث إنما حكم
فيها بمذهب أهل المدينة ، فلم يزل يونس بن عبد الأعلى يكلم القاضي
بكارا ، ويجسده حتى جسد ، ورد إلى ابني السائح الدار . ولا أحصي كم
كان أحمد بن طولون يجئ إلى مجلس بكار وهو يملي ، ومجلسه مملوء
بالناس ، فيتقدم الحاجب ، ويقول : لا يتغير أحد من مكانه ، فما يشعر
بكار إلا وأحمد إلى جانبه ، فيقول له : أيها الأمير ، ألا تركتني كنت أقضي
سير أعلام النبلاء — صفحة 600
مساهمون: الذهبي
ص٦٠٠