تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير أعلام النبلاء — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وذكره ابن إسحاق عن عثمان بن الحويرث ، عن صالح بن كيسان أن الطفيل بن عمرو قال : كنت رجلا شاعرا سيدا في قومي ، فقدمت مكة ، فمشيت إلى رجالات قريش ، فقالوا : إنك امرؤ شاعر سيد ، وإنا قد خشينا أن يلقاك هذا الرجل ، فيصيبك ببعض حديثه ، فإنما حديثه كالسحر ، فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا ، فإنه فرق بين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وابنه ، فوالله ما زالوا يحدثوني شأنه ، وينهوني أن أسمع منه حتى قلت : والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني ، قال : فعمدت إلى أذني ، فحشوتها كرسفا ( 1 ) ، ثم غدوت إلى المسجد ، فإذا برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قائما في المسجد ، فقمت قريبا منه ، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ، فقلت في نفسي : والله إن هذا للعجز ، وإني امرؤ ثبت ، ما تخفى علي الأمور حسنها وقبيحها ، والله لا تسمعن منه ، فإن كان أمره رشدا أخذت منه ، وإلا اجتنبته ، فنزعت الكرسفة ، فلم أسمع قط كلاما أحسن من كلام يتكلم به ، فقلت : يا سبحان الله ! ما سمعت كاليوم لفظا أحسن ولا أجمل منه ، فلما انصرف تبعته ، فدخلت معه بيته ، فقلت : يا محمد ! إن قومك جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا ، فأخبرته بما قالوا ، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول ، وقد وقع في نفسي أنه حق ، فاعرض علي دينك ، فعرض علي الاسلام فأسلمت ، ثم قلت : إني أرجع إلى دوس ، وأنا فيهم مطاع ، وأدعوهم إلى الاسلام لعل الله أن يهديهم ، فادع الله أن يجعل لي آية قال : " اللهم اجعل له آية تعينه " ، فخرجت حتى أشرفت على ثنية قومي ، وأبي هناك شيخ كبير ، وامرأتي وولدي . فلما علوت الثنية ، وضع الله بين عيني نورا كالشهاب يتراءاه الحاضر في ظلمة الليل ، وأنا منهبط من الثنية ، فقلت : اللهم في غير وجهي ،
هامش
( 1 ) الكرسف : القطن .
سير أعلام النبلاء — صفحة 345 | الذهبي / شعيب الأرنؤوط